![]() |
| أ. بسام أبو عليان محاضر بقسم الاجتماع ـ جامعة الأقصى |
يعتبر
مفهوم "الاستبعاد الاجتماعي" من المفاهيم الحديثة المتداولة في الكتابات
الاجتماعية، لكنه لم يكثر استخدامه في الكتابات العربية، فقد تسرب إليها متأخرًا.
مفهوم "الاستبعاد الاجتماعي" فرنسي النشأة، أول من استخدمه وزيرة العمل
الاجتماعي (رينيه لينوار) في سبعينات القرن الماضي، على وجه الدقة سنة 1974م. استخدمته
للإشارة إلى الأفراد الذين سقطوا من خدمات الرعاية الاجتماعية التي تقدمها الدولة،
تحديدًا شريحتا العجزة والآباء الوحيدين. بعد ذلك توسع وتشعب المفهوم ووصل إلى حد
اختلاف العلماء وتعدد وجهات نظرهم في تحديد مضامينه. فهناك من اعتبر
"الاستبعاد الاجتماعي" شكلًا من أشكال الانغلاق الاجتماعي، حيث تحاول فئة
من الناس الصعود في السلم الاجتماعي لتحصل على مكانة اجتماعية أفضل على حساب جماعة
تكون خاضعة وتابعة لها. وهناك من اعتبر "الاستبعاد الاجتماعي" إقصاء جماعة
ميسورة لجماعة فقيرة تعيش معها في نفس المنطقة. وهناك من أطلق "الاستبعاد
الاجتماعي" على الأحياء المنغلقة والمنعزلة (الجيتو) المهمشة كالأقليات الإثنية
أو الدينية ويمثلون خطرًا على المجتمع. هذا الرأي يبرئ النظام السياسي والاجتماعي في
الدولة القائم على اضطهاد وقمع الأقليات، ويحمِّل الأقليات مسؤولية العنف في
المجتمع. وهناك من استخدم مفهوم "الاستبعاد الاجتماعي" كرديف لمفهوم
الفقر. بينما اعتبرت الأمم المتحدة "الاستبعاد الاجتماعي" صورة من صور عدم
الاعتراف بحقوق الإنسان الأساسية، كحق الإنسان في الرعاية الصحية، والتعليم،
والرفاهية، والمشاركة السياسية...إلخ.
إذا كان مفهوم "الاستبعاد
الاجتماعي" حديث نسبيًا، فهذا لا يعني أن تلك المعاني والمضامين التي يحملها،
لم تمارس من قبل. بل هي موجودة في مختلف العصور والمجتمعات. لكن بمسميات أخرى،
منها على سبيل المثال: مفهوم (الطائفة) استخدم للتمييز بين الطوائف التي يتشكل
منها البناء الاجتماعي، لكنه وظف سلبًا فأدى إلى تمزق نسيج المجتمع وتفككه، وصل
أحيانًا إلى أعلى درجات الصراع والاقتتال كما هو واقع في كثير من المجتمعات حولنا.
ومفهوم (الطبقة) استخدم للتمييز بين طبقتين اجتماعيتين. الأولى الرأسمالية، تعتبر أقلية
لكنها تملك القوة الاقتصادية. الثانية العمال تمثل الأغلبية، لكنهم مستَغَلون من
قبل الطبقة الأولى.
بالعودة
إلى تعريف الأمم المتحدة للاستبعاد الاجتماعي، إذا أسقطناه على الواقع الحياتي في
المجتمع الغزي يمكن القول بدون مبالغة أن المجتمع الغزي بأكمله مستبعد اجتماعيًا.
فالفرد الغزي لا يتمتع بالحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة الآمنة، فأغلب، ـ إن
لم يكن كل ـ، حقوقه التي أقرتها المواثيق والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق
الإنسان منتهكة. خذ مثلًا على الصعيد الاقتصادي: الحصار المفروض على القطاع منذ ما
يزيد على عشر سنوات، ترتب عليه آثار كارثية، منها: انعدام فرص العمل، وارتفاع فاحش
لمعدلات الفقر والحرمان والبطالة، وشح كثير من السلع الضرورية، وغلاء الأسعار،
واحتكار التجار. على الصعيد الاجتماعي: ارتفاع معدلات الجريمة كالسرقة، والمخدرات
تجارة وترويجًا وتعاطيًا، والقتل، وانتشار المشكلات الاجتماعية كالطلاق، والعنف
الأسري، وتفكك العلاقات القرابية. على الصعيد الصحي: لا تتوفر الخدمات الصحية اللازمة
والمناسبة، وعدم كفاءة الكوادر الطبية في التعامل مع بعض الحالات المرضية لعدم قدرتهم
على تبادل الخبرات المعرفية والمهنية مع الآخرين خارج القطاع، ورداءة المعدات
الطبية، ومنع أو بطء في منح التحويلات الطبية للحالات المرضية المستعصية، وعدم تناسب
عدد الأسرّة والأطباء مع عدد المرضى. على الصعيد السياسي: انقسام بغيض دمر المجتمع،
رغم الحديث الآن عن مصالحة سياسية، فهي تسير بخطى سلحفاة بطيئة، تحيطها الريبة من
كل جانب، وعلامات التعثر أكثر من علامات التقدم، أي عثرة يمكن أن ترجعنا إلى نقطة
الصفر، أضف لذلك قطع الرواتب على أساس الانتماء السياسي، والتقاعد المبكر القسري
لطاقات شابة لازالت بكامل قدرتها على العطاء، وفرض إجراءات عقابية تمس حياة كل شرائح
المجتمع. الكهرباء خدماتها سيئة، في أحسن الأحول تكون ست ساعات وصل ومثلها قطع. المياه
لا تصلح للاستخدام الآدمي. البحر المتنفس الوحيد لسكان القطاع أصبح مكبًا للمجاري
ومستوطنًا للأمراض. الشوارع غالبيتها حفر ومكسرة عدا بعض الشوارع الرئيسية. أما
الحدائق العامة والمنتزهات تكاد تكون معدومة في كثير من مناطق القطاع، فلا مكان للترفيه
يلجأ إليه البسطاء وذوي الدخل المحدود، فاستعيض عنها بأماكن الترفيه الخاصة التي
أرهقت كاهل الأسر برسوم الدخول فما بالك برسوم خدماتها الداخلية! كذلك الملاعب مثل
واقع المنتزهات. قِس على ذلك بقية النظم الاجتماعية.
إن
المواطن الغزي لا يبحث عن حياة الترف والبذخ والرفاهية، إنما يأمل أن يتوفر له
الحد الأدنى من مقومات الحياة الآمنة والكريمة. يتمنى توفير كهرباء متواصلة على
مدار الساعة، توفير مياه صالحة للشرب، توفير العلاج بأسعار مناسبة، منحه حرية
السفر والتنقل دون الانتظار لشهور على قوائم الانتظار، توفير فرص عمل لقوافل الخريجين،
توفير حدائق عامة للتخفيف من ضيق البيوت وضغطها، توفير ملاعب يفرغ فيها الأطفال
والشباب طاقاتهم بدلًا من التسكع في الطرقات ويكونوا فريسة سهلة للانحراف والجريمة،
توفير تعليمًا مجانيًا، الموظف بحاجة إلى الشعور بالأمان الوظيفي، تقديم الولاء
للوطن على الولاء للأحزاب والأشخاص، القضاء أو الحد من المشكلات الاجتماعية.

تعليقات
إرسال تعليق