![]() |
| بسام أبو عليان محاضر بقسم الاجتماع ـ جامعة الأقصى |
في الأيام الأخيرة (أقل
من شهر ونصف تقريبًا) حضرت مناقشة ثلاث رسائل علمية، وشاهدت رابعة. ثلاث رسائل ماجستير،
وأطروحة دكتوراه في تخصصات متنوعة (أدبية وعلمية). فكان لي الملاحظات الآتية:
عدد ونوعية الحضور: لاحظت حضورًا وحشدًا كبيرين
من ذوي الباحث، وأصدقائه، ومحبيه، وزملائه من الجنسين. تأملتهم، فخيّل إليَّ النساء
كأن الواحدة منهن قاصدة صالة أفراح وليس جامعة وصرح علمي له هيبته ووقاره. كأنها
ذاهبة لحضور عرس قريب لها، وليس مجلس علم ومناقشة رسالة علمية. تراها قد أسرفت في التلون
بألوان المكياج، ومصطحبة معها الأطفال ـ ما بين الرضع ودون سن المدرسة ـ الذين
يتسببون في الضوضاء والإزعاج داخل قاعة المناقشة، فضلًا عن الهمس، والغمز، واللمز،
والنميمة والأحاديث الجانبية في مؤخرة القاعة فتشوش على الباحث ولجنة المناقشة. أما
الحضور من الرجال جلهم من غير أهل الاختصاص، فيهم (المسن، والحرفي، والمختار،
وأعضاء لجان إصلاح، والأمي... إلخ) هدفهم الأساسي من الحضور ليس الاستفادة العلمية،
بل تقديم التهاني والتبريكات إلى الباحث، والتصفيق والتهليل في المواضع التي تستحق
ولا تستحق. أي هم كمن جاء لحضور مهرجان خطابي، أو حفل إشهار؛ لأداء واجب اجتماعي
فقط. (هذا جيد، من حيث المشاركة الوجدانية). لكن يمكن أداء هذا الواجب في بيت
الباحث. يفترض في الذي يحضر مناقشة الرسائل العلمية أن يكون من أهل الاختصاص من
الباحثين والطلبة لتبادل المعرفة والاستفادة. لكن الذي رأيته مؤخرًا خلاف ذلك
تمامًا. غيّب أهل الاختصاص وحضر العوام. مثلًا عندما تناقش رسائل علمية في
الفيزياء أو الكيمياء يغلب عليها المصطلحات العلمية البحتة، والمعادلات، وباللغة
الإنجليزية. أو أي تخصص آخر في الأدب، أو العلوم الشرعية، أو علم النفس، أو
التربية... إلخ. تجد الشخص حاضر معك جسدًا (عدد)، لكنه لم يحضر معك عقلًا وفكرًا؛
لأنه لا يوجد رابط بينه وبين موضوع المناقشة، لا يستوعب شيئًا مما يقال. بعد وقت
يسير من بدء المناقشة يشعر الحضور بالملل، أو يستعينوا باللعب في الجوال لقضاء
الوقت، وغياب الانضباط عن القاعة بين داخل وخارج، ناهيك عن المصورين بالجوالات كمن
يغطي مؤتمرًا صحفيًا! بمعنى آخر، الحضور كمي وليس نوعي. الهدف الأساسي لبعضهم تناول
الحلويات والمشروب عقب المناقشة. رغم ذلك، لا يمنع حضور "أسرة الباحث الضيقة"
لمشاركته الفرحة.
أداء الباحث: لاحظت حين يأتي
الباحث إلى قاعة المناقشة يأتي مطمئنًا، مرتاح البال، لا يساوره القلق ولا التوتر.
ويكأنه ضمن الحصول على الدرجة العلمية قبل المناقشة. هذا الأمر لم يجعله يستعد لها
الاستعداد التام، ولم يجعل عنده هيبة ورهبة لهذا المكان والمقام. بعضهم يتهاون
بالأمر إلى حد الاستهتار. هناك رسائل علمية لو كنت أحد أعضاء لجان المناقشة
والمحكمين لرفضتها. بسبب ركاكة أسلوبها، وهشاشة صياغتها، وكثرة أخطائها الإملائية،
ومعلوماتها الباهتة السطحية، وبياناتها المتضاربة، وأخطائها المنهجية القاتلة،
وغياب شخصية الباحث. الرسالة مجموعة اقتباسات مدرجة تحت بعضها، أما عن طريقة
الإلقاء والحديث فالوضع أشد مأساوية، لم يستطع الباحث الحفاظ على الحد الأدنى مما
تبقى من فصاحة اللغة. جلهم يتحدثون باللهجة العامية! لا أنسى حين أتاني طالب ماجستير
ـ مسجلًا في إحدى الجامعات العربية ـ لطلب الاستشارة فوجدته لم يميز بين الهدف
والفرض، ولم يفرق بين منهج البحث وأداة البحث! حالة أخرى حين جاء رجل إلى عضو لجنة
المناقشة والتحكيم قبل المناقشة بأيام يراجع معه الرسالة، ويطلب منه التخفيف في مناقشة
زوجته (صاحبة الرسالة)! لكنهما حصلا على الدرجة العلمية!
وسيزاحما أهل الاختصاص في الكليات والجامعات للتدريس. أنّى لهذا (الباحث أو تلك المشوهان
فكريًا وعلميًا) أن يقدما علمًا رصينًا ومفيدًا لطلبتهما! هذه مجرد أمثلة فقط.
أداء لجنة المناقشة: بعض لجان المناقشة والحكم
التي رأيتها لم يكن لها هيبة ووقارًا، لم تجد فيهم سمت العلماء، لا من حيث الشكل
واللباس، ولا طريقة الحديث، ـ بعضهم يتحدث باللهجة العامية! ـ. لم يأخذ بعض
الأعضاء المناقشة على محمل الجد. لاحظت بعضهم لم يجهد نفسه في قراءة الرسالة كي
يناقش الباحث مناقشة علمية جادة، إنما هي تقليب سريع لصفحات الرسالة عساه يقع في
خطأ إملائي هنا أو هناك. بل بعضهم قال صراحة: "أنا لم أقرأ الرسالة".
السؤال: لم حضرت إلى المناقشة إذن؟! كيف تناقش الطالب ولم تعرف محتوى رسالته؟
كيف ستقيّم الطالب وتمنحه درجة علمية ولم تدرِ ما الذي بين دفتي البحث؟! هذه واحدة
من صور الطامة التي وصل إليها البحث العلمي في مجتمعنا العربي.
الملاحظات السابقة ليست
خاصة بالجامعات الغزية، بل تكاد تكون موجودة في أغلب الجامعات العربية بدليل
العينات الضعيفة والسيئة من خريجي الدراسات العليا الذين غزوا الجامعات، والكليات،
والمؤسسات. إن الجامعات بحاجة إلى مراجعات جادة لتصحيح وتصويب ما آل إليه البحث
العلمي، وتتفقد نوعية طلبة الدراسات العليا، ومشرفي الرسائل العلمية، والمناقشين.
حتى تتخلص من بعض الشوائب وتعود إلى جادة الصواب.

تعليقات
إرسال تعليق