علم اجتماع المعرفة
المحاضرة الثامنة
أ. بسـام أبو عليان
14/11/2014م
نظرية المعرفة عند ابن خلدون:
اهتم
ابن خلدون كثيراً بالتاريخ باعتباره مصدراً مهماً من مصادر المعرفة، بل اعتبره من
العلوم الشريفة التي لا يمارسها إلا من حاز على شروط علمية وأخلاقية كالتي يتمتع
بها عالم الحديث، وعالم التفسير. وما ذلك إلا لأن نظرة ابن خلدون إلى التاريخ لم نظرة
تكن سطحية ـ كما يعتقد الكثيرون ـ، أنه علم يهتم بأخبار الأيام والدول، والأحداث،
والقرون الأولى. بل يريد من المشتغل بهذا العلم أن يحلل الأحداث، ويقرأ ما بين
وخلف السطور، وألا يقبل الروايات والأحداث على علاتها كما هي. بل يجب تمحيصها،
وتدقيقها، والبحث في أسبابها. بمعنى آخر طالب ابن خلدون بتنقية التاريخ من
الشوائب، والتحريف، والتزوير لكثير من الأحداث والوقائع والأخبار التاريخية. لذلك
اتخذ موقفاً نقدياً من الكتابات التاريخية، وقد طالت انتقاداته من يعدون قامات
كبيرة في علم التاريخ مثل: (المسعودي، والطبراني، والثعالبي)؛ لأن ما دونوه تعتريه
بعض الأخطاء التاريخية، فضلاً عن الأكاذيب التي لا يقبلها العقل والمنطق.
فالتاريخ
عند بن خلدون هو: "فن من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشد إليه
الرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى
فيه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد عن إخبار عن الأيام والدول، والسوابق
من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطوف بها الأندية إذا
غصها الاحتفال، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال واتسع للدول فيها
النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بها الارتحال وحان منهم الزوال، وفي باطنه
نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق،
فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد من علومها وخليق" [المقدمة:
ج1، ص7-8].
وانتقد
ابن خلدون منهج المؤرخين السابقين كونهم كانوا ينقلون ويقبلون الروايات التاريخية
دون تدقيق، إذ يقول: "وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار
الأيام وجمعوها، وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من
الباطل وهموا فيها أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها، واقتفى تلك
الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها، وأدوها إلينا كما سمعوها، ولم يلاحظوا أسباب
الوقائع والأحوال ولم يراعوها ولا رفضوا ترهات الأحاديث ولا دفعوها، فالتحقيق
قليل، وطرف التنقيح في الغالب كليل، والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل، والتقليد
عريق في الآدميين وسليل، والتطفل على الفنون عريض وطويل، ومرعى الجهل بين الأنام
وخيم وبيل، والحق لا يقاوم سلطانه، والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه، والناقل إنما
هو يملي وينقل، والبصيرة تنقد الصحيح إذا تمقل، والعلم يجلو لها صفحات القلوب
ويصقل" [المقدمة: ج1، ص8].
ولم
يسلم من انتقاد بن خلدون كبار المؤرخين، إذ يقول: "وإن كان في كتب
المسعودي والواقدي من المطعن والمغمز ما هو معروف عند أهل الإثبات، ومشهور بين
الحفظة الثقات" [المقدمة: ج1، ص8].
إن
لم يسلم كبار المؤرخين من الانتقاد، بالطبع سيطال الانتقاد المؤرخين المتأخرين
الذي كانت أخطاءهم أكبر، وانحرفوا عن القواعد الموضوعية في توثيق وتأريخ الأحداث
والوقائع. إذ يقول: "ثم يأتي من بعد هؤلاء [الطبري، وابن الكلبي،
والواقدي، والمسعودي] إلا مقلد، وبليد الطبع والعقل أو متبلد، ينسج على ذلك
المنوال، ويحتذي به في المثال... فيجلبون الأخبار عن الدول، وحكايات الوقائع في
العصور الأول، صوراً قد تجردت عن موادها... إنما هي حوادث لم تعلم أصولها...
يكررون في موضوعاتهم الأخبار المتداولة بأعيانها... ثم إذا تعرضوا لذكر الدولة
نسقوا أخبارها نسقاً، محافظين على نقلها وهماً أو صدقاً، لا يتعرضون لبدايتها، ولا
يذكرون السبب الذي رفع من رايتها... ولا علة الوقوف عند غايتها... ثم جاء آخرون
بإفراط الاختصار، وذهبوا إلى الاكتفاء بأسماء الملوك والأمصار، مقطوعة عن الأنساب
والأخبار... وليس يعتبر لهؤلاء مقال... ولا يعد لهم مثبوت ولا انتقال، لما أذهبوا
من الفوائد، وأخلوا بالمذاهب المعروفة للمؤرخين، والعوائد" [المقدمة: ج1،
ص9].
أسباب انتقاد ابن خلدون
لأسلوب المؤرخين وهجومه عليهم:
1)
تعصب
المؤرخين لرأي من الآراء، أو لجماعة من الجماعات. مما يجعل النفس تميل إلى تصديق
ما يوافقها من الآراء، ورفض ما لا يوافقها وإن كان هو الرأي الصادق. إذ يقول: "ولما
كان الكذب متطرفا للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه فمنها: التشيع للآراء والمذاهب،
فإن النفس إذا كانت على حال في الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحص والنظر
حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من
الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد
والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله" [المقدمة: ج1، ص37].
2)
منح المؤرخ
الثقة لناقلي الأخبار دون التدقيق في الروايات التي يروونها. إذ يقول: "فكثير
من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه
فيقع في الكذب" [المقدمة: ج1، ص37].
3)
غياب
الموضوعية. فكل ناقل للأخبار ينقل الخبر أو الرواية تبعاً لتخمينه وظنه. وهذا يؤدي
إلى الوقوع في الكذب والتحريف. إذ يقول: "... ومنها توهم الصدق وهو كثير
وإنما يجيء الأكثر من جهة الثقة بالناقلين، ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على
الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتصنع
على غير الحق في نفسه" [المقدمة: ج1، ص38].
4)
من أجل أن
يتقرب المؤرخ لأهل السلطة يغدق عليهم المدح والثاء، وذكر صفات ليسوا هم أهلاً لها،
ويختلقون لهم الأكاذيب والأحداث المغلوطة. فيتم تداولها بين الناس، وتصبح مع مرور
الزمن كشيء من الحقيقة. إذ يقول: "ومنها تقرب الناس في الأكثر لأصحاب
التجلة والمراتب بالثناء والمدح، وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك، فيستفيض
الإخبار بها على غير حقيقة، فالنفوس مولعة بحب الثناء والناس متطلعون إلى الدنيا
وأسبابها من جاه أو ثروة وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في
أهلها" [المقدمة: ج1، ص38].
5)
جهل المؤرخ
بطبيعة المجتمعات يجعله بأخذ بالخبر دون تدقيق أو تمحيص. إذ يقول: "الجهل
بطبائع الأحوال في العمران، فإن كل حادث من الحوادث ذاتاً كان أو فعلاً لابد له من
طبيعة تخصه في ذاته، وفيما يعرض له من أحواله، فإذا كان السامع عارفاً بطبائع
الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك تمحيص الخبر على تمييز الصدق من
الكذب، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض" [المقدمة: ج1، ص38].
منهج ابن خلدون في مقدمته:
وقد بيّن ابن خلدون منهجيته في
كتابة التاريخ، أنه حاول تجنب الأخطاء التي وقع فيها من سبقه من المؤرخين الذين
انتقدهم انتقاداً لاذعاً شديداً. إذ يقول: "ولما طالعت كتب القوم، وسبرت
غور الأمس واليوم، نبهت عين القريحة من سنة الغفلة والنوم، وسمت التصنيف من
نفسي...، فأنشأت في التاريخ كتاباً، رفعت به أحوال الناشئة من الأجيال حجاباً،
وفصلته في الأخبار والاعتبار باباً باباً، وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عللاً
وأسباباً، وبيته على أخبار الأمم الذين عمروا المغرب في هذه الأعصار... وما كان
لهم من الدول الطوال أو القصار، ومن سلف لهم من الملوك والأنصار، وهما العرب
والبربر... فهذبت مناحيه تهذيباً، وقربته لأفهام العلماء، والخاصة تقريباً، وسلكت
في ترتيبه وتبويبه مسلكاً غريباً، واخترعته من بين المناحي مذهباً عجيباً، وطريقة
مبتدعة وأسلوباً، وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن ما يعرض في الاجتماع
الإنساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها، ويعرفك كيف دخل أهل
الدول من أبوابها، حتى تنزع من التقليد يدك، وتقف على أحوال ما قبلك من الأيام
والأجيال وما بعدك، ورتبته على مقدمة وثلاث كتب: المقدمة في فضل علم التاريخ
وتحقيق مذاهبه والإلماع بمغالط المؤرخين الكتاب الأول في العمران وذكر ما يعرض فيه
من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم وما لذلك
من العلل والأسباب الكتاب الثاني في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدأ الخليقة
إلى هذا العهد وفيه من الإلماع ببعض من عاصرهم من الأمم المشاهير ودولهم مثل النبط
والسريانيين والفرس وبني إسرائيل والقبط واليونان والروم والترك والإفرنجة الكتاب
الثالث في أخبار البربر ومواليهم من زناتة وذكر أوليتهم وأحيالهم وما كان بديار
المغرب خاصة من الملك والدول ثم كانت الرحلة إلى المشرق لاجتناء أنواره وقضاء
الفرض والسنة في مطافه ومزاره والوقوف على آثاره في دواوينه وأسفاره فزدت ما نقص
من أخبار ملوك العجم بتلك الديار ودول الترك فيما ملكوه من الأقطار وأتبعت بها ما
كتبته في تلك الأسطار وأدرجتها في ذكر المعاصرين لتلك الأجيال من أمم النواحي
وملوك الأمصار والضواحي سالكا سبيل الاختصار
والتلخيص مفتديا بالمرام السهل من العويص داخلا من باب الأسباب على العموم إلى
الإخبار على الخصوص فاستوعب أخبار الخليقة استيعابا وذلل من الحكم النافرة صعابا
وأعطى لحوادث الدول عللا وأسبابا فأصبح للحكمة صوانا وللتاريخ جرابا ولما كان
مشتملا على أخبار العرب والبربر من أهل المدر والوبر والإلماع بمن عاصرهم من الدول
الكبر وأفصح بالذكرى والعبر في مبتدأ الأحوال ومما بعدها من الخبر سميته كتاب
العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي
السلطان الأكبر ولم أترك شيئا في أولية الأجيال والدول وتعاصر الأمم الأول وأسباب
التصرف والحول في القرون الخالية والملل وما يعرض في العمران من دولة وملة ومدينة
وحلة وعزة وذلة وكثرة وقلة وعلم وصناعة وكسب وإضاعة وأحوال متقلبة مشاعة وبدو وحضر
وواقع ومنتظر إلا واستوعبت جمله وأوضحت براهينه وعلله فجاء هذا الكتاب فذا بما ضمنته
من العلوم الغريبة والحكم المحجوبة القريبة وأنامن بعدها موقف بالقصور بين أهل
العصور معترف بالعجز عن المضاء في مثل هذا القضاء راغب من أهل اليد البيضاء
والمعارف المتسعة الفضاء في النظر بعين الانتقاد لا بعين الارتضاء والتغمد لما
يعثرون عليه بالإصلاح والإغضاء فالبضاعة بين أهل العلم مزجاة والاعتراف من اللوم
منجاة والحسنى من الإخوان مرتجاه والله أسأل أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم
وهو حسبي ونعم الوكيل" [المقدمة: ج1، ص9-11].
نستخلص مما سبق منهجية ابن خلدون في
كتابة المقدمة:
1)
تقييم جهود
المؤرخين الذين سبقوه، وبيان مواضع الضعف والتردي والخلل عندهم، ومحاولة تحاشيها
والابتعاد عندها أثناء كتابة مقدمته.
2)
اتبع
منهجاً جديداً في التأريخ والتدوين يختلف عن أسلوب المؤرخين الذين سبقوه. تمثل في
شرح أسباب الظواهر، والإشارة إلى أصل الدول.
3)
عرض
التقسيم المنهجي لكتابه. وقد وقع في مقدمة وثلاثة كتب. في المقدمة تحدث عن علم
التاريخ وبيان فضله وأهميته، وانتقاد المؤرخين السابقين وطريقتهم في التعامل مع
الأحداث والوقائع التاريخية. والكتاب الأول يتعلق بالعمران. والكتاب الثاني يتعلق
بأخبار العرب منذ بدء الخلق حتى عصره. أما الكتاب الثالث تحدث فيه عن أخبار
البربر، بداياتهم وأجيالهم. ثم تحدث عن أهل المشرق.
وقد علّق (محمد عابد الجابري) أن
هدف ابن خلدون من كتابة المقدمة هو تكوين نظرية أبستمولوجية (معرفية) ترقى
بالتاريخ من مستوى الفن الذي يقتصر على سرد الأحداث التاريخية والوقائع من القرون
الأولى سرداً قصصياً إلى قراءة نقدية، تحليلية، تأملية، تفسيرية تتسم بالدقة
والموضوعية. يدرك ابن خلدون أن تلك الدعوة تحتاج إلى نقلة نوعية على مستوى المنهج
والموضوع، لذلك حدد شروطاً لمن أراد أن يشتغل في هذا الجانب، منها:
1.
معرفة
قواعد السياسة، وطبائع الموجودات، واختلاف المجتمعات.
2.
الإحاطة
بأخلاق المجتمعات، وثقافتها، ومذاهبها، وشرائحها الاجتماعية.
3.
التعرف على
الحاضر معرفة دقيقة، ومقارنته بالماضي، للتعرف على أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما.
4.
تفسير
الحوادث والظواهر سواء المتفق أو المختلف عليها.
5.
التعرف على
أسباب ظهور الظاهرة، وانتشارها.
أطوار المعرفة عند ابن
خلدون:
أ.
العالم
الحسي: يخص العوام، حيث يدرك الفرد العالم الخارجي عن طريق
الحواس. والأدوات التي يعتمد عليها في الوصول إلى المعرفة هي: (السمع، والبصر،
والفؤاد). مأخوذة من قوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ
أُولَـٰئِكَ كَانَ
عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:36].
ب.
العقل
الروحاني: يشمل العلماء، ونطاق إدراكه أوسع من العالم الحسي.
ج.
عالم النوم:
هي التصورات الخيالية التي تجول في خاطر الفرد. وهي مرحلة تجريد يستطيع بها الفرد
نزع المدركات عن الماديات والمحسوسات. والأدوات التي يعتمد عليها في هذه المرحلة
ذات الأدوات التي اعتمد عليها في المرحلة الأولى، لكنها لا تستخدم كما هي في عالم
اليقظة. وفهنا يميز بين نوعين من الناس:
v الفلاسفة: يزعمون أن الصور الخيالية يدفعها الخيال
بحركة الفكر إلى الحس المشترك (يجمع بين الحس الباطني والظاهري). ينتقدهم ابن
خلدون بقوله: "يشكل عليهم أن المرائي الصادقة التي هي من الله أو من المَلك
أثبت وأرسخ من المرائي الشيطانية".
v المتكلمين: يقولون بأن إدراك يخلقه الله في الحاسة،
فيقع كما يدركه في اليقظة. إلا أنهم لم يبينوا كيفية وقوعها. إلا أن ابن خلدون
يعتبرهم أفضل من الفلاسفة.
د.
النبوة:
تشمل من خصهم الله تعالى للدعوة إلى دينه، وينزل عليهم الوحي، ويكلفهم بإصلاح المجتمعات
التي يرسلون إليها.
ه.
الموت:
هو مفارقة الروح للجسد. وبعدها ينتقل الفرد إلى عالم البرزخ، فإما أن يعيش في عذاب
أو نعيم. في هذه المرحلة يكون الناس مجردين عن البدن، لكنهم محتفظين بمداركهم
الحسية.
يرى ابن خلدون أن الإنسان يتميز عن
بقية الكائنات بأمرين، هما: (العلم، والحرف). إذ يقول: "لما كان الإنسان
متميزاً عن سائر الحيوانات بخواص اختص بها
فمنها العلوم و الصنائع التي هي نتيجة الفكر الذي تميز به عن
الحيوانات و شرف بوصفه على المخلوقات" [المقدمة:
ج1، ص42].
وفي موضع آخر ميز الإنسان عن
الحيوان بالفكر. إذ يقول: "ولما كان العدوان طبيعياً في
الحيوان جعل لكل واحد منها عضواً يختص بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره و جعل للإنسان
عوضاً من ذلك كله الفكر" [المقدمة: ج1، ص48].
يعتقد ابن خلدون أن النشاط الفكري
لاحق على النشاط العملي، أي يأتي بعد أن يضمن الإنسان توفير حاجاته الضرورية التي
توفر له العيش الكريم. لذلك ربط تقدم العلوم بنمو وازدهار الدولة. وأن المعرفة
مرتبطة بطبقة تعتمد في معاشها على الدولة، بحيث تتفرغ تفرغاً كاملاً للإبداع الفكري،
ولإشباع حاجة الحب المعرفي. وكأن ابن خلدون يريد أن يقول: "وعي الناس مرتبط
بوجودهم الاجتماعي". ولتحقيق تلك الغاية فقد كان من هديه أن يطرح الأسئلة على
نفسه، ثَم يجيب عليها. ومن بين هذه الأسئلة: لماذا ناقلو العلوم الإسلامية من غير
العرب؟
يجيب: أن المجتمع الإسلامي لم يعرف
العلم ولا المهن بسبب واقعه الاجتماعي البدوي ـ الصحراوي، حيث ينصب هدفهم الرئيسي
في البحث عن أساسيات الحياة لضمان استمراريتها وبقائهم أحياء، وأن اعتناق البدوي
للإسلام هو سلوك وراثي. لكن مع زيادة رقعة المجتمع الإسلامي ـ بفضل الفتوحات
الإسلامية ـ، أخذ الناس يبحثون عن الاستعانة بالعلوم المدنية.
واعتبر تحضر المدن الكبرى يهيئ
الظروف المناسبة لنمو العلوم، ولاحظ أن أي تدهور في الحياة الحضرية ينعكس سلباً
على العلوم والمهن. وأن (العلم والمعرفة) يعبران عن ديناميكية المجتمع، ولا يمكن تفسيرهما
إلا من خلال الواقع الاجتماعي كونه يقرر مصير الفكر، وليس العكس. فالعلم والمعرفة
يعبران عن تراكم الخبرة المدنية التي صنعها الإنسان، ولا يمكن اعتبار العلم مستقلاً
عن الواقع الاجتماعي. ويعتبر أن هناك تفاوتاً في التحضر بين المجتمعات، وبالتالي
هناك تفاوت في المعرفة بين المجتمعات. فيقدر ما يتحضر المجتمع بقدر ما تتقدم
المعرفة والعلوم.
ويطرح ابن خلدون سؤالاً آخر، قد
يبدو في ظاهره ساذجاً، إلا أنه يحمل دلالات معرفية وفكرية عميقة. لماذا سكان
المشرق العربي أكثر استيعاباً للعلوم والمعارف من سكان المغرب العربي؟
يعلل ذلك، باختلاف درجة التحضر
الاجتماعي. بمعنى آخر، يريد أن يقول أن سكان المشرق أكثر حيوية فكرية وعلمية من
سكان المغرب؛ لأن المعرفة والعلم تركتا أثراً واضحاً في عقول الناس الأولين في
المشرق.
وقد أكد ابن خلدون على العلاقة بين
معرفة الإنسان وبيئته الاجتماعية. إذ يقول: "فالإقليم الرابع أعدل
العمران... فلهذا كانت العلوم والصنائع والمباني والملابس... مخصوصة بالاعتدال...
فتجدهم على غاية التوسط في مساكنهم وملابسهم وأقواتهم وصنائعهم، يتخذون البيوت
المنجدة بالحجارة، المنمقة بالصناعة... ويتصرفون في معاملاتهم بالنقدين العزيزين...
وهؤلاء أهل المغرب، والشام، والحجاز، واليمن، والعراقين، والهند، والسند، والصين،
وكذلك الأندلس... أما الأقاليم البعيدة عن الاعتدال... فأهلها أبعد عن الاعتدال في
جميع أحوالهم، فبناؤهم بالطين والقصب، وأقواتهم من الذرة والعشب، وملابسهم من
أوراق الشجر... وأخلاقهم مع ذلك قريبة من خلق الحيوانات العجم... وأما أهل
الأقاليم المتوسطة، أهل الاعتدال في خُلقهم وخَلقهم وسيرهم كافة الأحوال الطبيعية
للاعتمار لديهم من المعاش، والمساكن، والصنائع، والعلوم، والرئاسات،
والملك..." [المقدمة: ج1، ص88-91].
خلص ابن خلدون إلى أن الذي يفسر
التغيرات الاجتماعية هو (التاريخ)، وكل معرفة تتسم بطابع تاريخي. وكان هدفه من ذلك
إرجاع (العلم والمعرفة) إلى حظيرة التاريخ من خلال تتبع حركة تطور الحياة
الاجتماعية.

السلام عليكم استاذ بسام انا طالبه دراسات عليا من ليبيا موضوعي عن الثقافه المهنيه للمعلم واستند في بحثي علي نظريات المعرفه عند كارل مانهايم وكارل ماركس وابن خلدون وماكس شلر واحتاج الي المزيد من العلماء فهل بالامكان مساعدتي في توفير هذه النظريات وغيرها من علماء المعرفه ولكم مني جزيل الشكر والتقدير
ردحذف