نحـو أنثروبولوجيا عربية
على
الرغم من اعتراف بعض مفكري أوروبا بتأثير التراث الحضاري العربي على الحضارة الغربية الحديثة، فقد ساد اتّجاه متنكّر لهذه
الحقيقة التاريخية، من خلال السعي نحو طمسها، أو التقليل من شأنها. وقد دعم هذا
الاتّجاه الاستعمار الأوروبي للعالمين العربي والإسلامي مؤكّدا عجز العرب والمسلمين عن الابتكار والإبداع، والإسهام في ركب
الحضارة الإنسانية، الأمر الذي يجعل من "التغريب" أمراً ضرورياً لمواكبة تطوّرات العصر الحديث.
لهذا،
من الضروري العمل على فحص التراث العربي الإسلامي دراسته دراسة متأنية ومتعمّقة،
لاسيّما الأعمال ذات الصلة المباشرة بالأنثروبولوجيا، مثل: مؤلّفات أخوان الصفا،
وكتاب "الحيوان" للجاحظ، وغيرها كثير.
قد
تؤدّي هذه الدراسات لإعادة تاريخ الأنثروبولوجيا من جديد، بحيث لا تردّ جميعها إلى
عصر النهضة في أوروبا فحسب، بل قد يوجد في التراث الحضاري العربي، الكثير من
المفهومات والنظريات عن الجنس البشري والحضارة الإنسانية، وأوجه الحياة اليوميّة
ومشكلاتها، ممّا لا يزال يشغل بال الباحثين الأنثروبولوجيين المعاصرين.
رغم ذلك
فإنّ علم (الأنثروبولوجيا) لم يلقَ الاهتمام في الدوائر العلمية والبحثية العربية،
كما هي الحال في المؤسسّات العلمية الغربية، سواء في البحوث الميدانية، أو الدراسات
الأكاديمية.
ثمّة
بعض الباحثين (الأكاديميين) العرب يشيرون إلى أنّ الأنثروبولوجيا، دخلت إلى العالم
العربي، في الثلاثينات القرن (20) تحت اسم "علم الاجتماع المقارن" على
أيدي عدد من علماء الأنثروبولوجيا البريطانيين، مثل: (إيفانز بريتشارد) ممّن تولّوا التدريس في الجامعة المصرية (جامعة
القاهرة الآن). ثمّ جاء في الأربعينات عميد الأنثروبولوجيين في حينه، رادكليف
براون الذي درس الأنثروبولوجيا في جامعة
الإسكندرية، تحت اسم (علم الاجتماع المقارن)، وذلك لعدم احتواء برامج التدريس
الجامعي على مادة الأنثربولوجيا.
فإذا
أردنا القيام بمحاولة تأريخ لعلاقة الفكر الأنثروبولوجي الغربي بالمجتمع العربي،
فإنّ إيفانز بريتشارد وإرنست غيلنر، سيتصدّران قائمة الأنثروبولوجيين الذين
تعاملوا مع ثقافات العالم العربي والإسلامي. فقد حاول بريتشارد وغيلنر، ومن واقع
انتمائهما للثقافة الأوربية المعاصرة فهم الواقع الاجتماعي والثقافي ذي الخاصية
العربية الإسلامية، هذا الواقع الذي يقع في مقابل الغرب الثقافي والاجتماعي.
لقد قام
غيلنر بتحليل جانبين يكوّنان الثوابت الرئيسة البارزة في البنى الاجتماعية العربية،
وهما: (الإسلام والقبلية). فقد قاده عمله (الميداني) في جبال الأطلس في الغرب
العربي، بقصد اختبار مفهوم "الانقسامية" مثل: (الأسرة/العشيرة، البداوة/الحضر،
الشعبي/الرسمي)، وغيرها من الثنائيات. باعتبار أنّ الانقسامية هي السنة البنيوية
البارزة للنظم القرابية والسياسية في المجتمعات العربية القبلية.
وذهب بريتشارد
إلى البحث في العوامل المحليّة المساعدة في إعادة التوازن في الانقسامية القبلية،
أي فيما رآه من دور للإسلام باعتباره نظاماً أيديولوجياً، تجسّد في التنظيم
الاجتماعي لأبناء برقة (في ليبيا) وفي الحركة الصوفية السنوسية، أيضاً سعى غيلنر لتوضيح
كيف كان التصوّف الإسلامي، يؤدّي عبر نظام الزوايا والأولياء، أدواراً تعتبر
مفصلية في إعادة التوازن إلى بنى اجتماعية، يدفع بها نظامها الإيكولوجي (البيئي)
نحو الانقسام المتتالي.
عزا
معظم الباحثين العرب عدم الترحيب بالأنثروبولوجيا وانتشارها في العالم العربي، إلى
سببين أساسيين :
أولهما:
عدم تقبّل فكرة التطوّر الحيوي عند الإنسان، بالنظر لتعارضها مع الفكر الديني
وتفسيراته التي تؤكّد أنّ الإنسان مخلوق من عمل الله، وليس نتاج حلقة تطوّرية ذات
أصل حيواني. لكن ثمّة بعض مفكّرين عرب دعوا إلى التوفيق بين الفكرتين، والأخذ
منهما ما يفيد العلم.
ثانيهما
: ارتباط نشأة الأنثربولوجيا بالاستعمار، حيث كانت الدراسات تتمّ على المجتمعات
البدائية والمتخلّفة، بهدف معرفة بنيتها التركيبية وطبيعتها الثقافية، ممّا يسهّل
استعمارها، في الوقت الذي كان فيه المجتمع العربي يعاني من الاحتلال والاستعمار،
ويسعى للتحرّر والتقدّم .
مفهوم الثقافة يعدّ من أهمّ المداخل التي
قدّمتها الأنثروبولوجيا للفكر والعمل الإنسانيين. فمن خلال الثقافة تضع
الأنثروبولوجيا أمام الإنسان مرآة تمنحه صورة أوضح لنفسه وأقرانه، وتسهم في نشأة المجتمع
وطبيعة وظائفه ومنظّماته. كما توضح دوافعنا وسلوكنا، فضلاً عن دوافع الآخرين
وسلوكاتهم.
من بين
مهام الأنثروبولوجيين العرب في الوقت الحاضر ألاّ تقتصر جهودهم على إبراز النسق
العربي على الغرب بصدد بعض المفاهيم النظرية فحسب، لا بدّ أن تتضمّن دراساتهم الفحص
الدقيق للأعمال التراثية بهدف الكشف عن الجوانب المنهجيّة المشتركة بين الكتّاب،
والتي يكونون قد استمدّوا من معارفهم وتربيتهم الدينية أساساً لها.
مهما
كان واقع الأنثروبولوجيا في العالم العربي، فقد اكتسبت أرضيّة جديدة منذ ستينات
القرن (20)، وقد تجلّى الاهتمام العربي بالأنثروبولوجيا، من خلال اعتمادها
كتخصّصات ومقرّرات دراسية في الجامعات العربية
(جامعة القاهرة، جامعة الاسكندرية، جامعة دمشق، الجامعة اللبنانية ،جامعة
البحرين... وغيرها) وتتجلىّ أيضاً في قيام الكثير من الباحثين الأنثروبولوجيين
العرب، بتأليف كتب حول الإنسان وأصوله وحضارته، مفاهيم الأنثروبولوجيا وتطبيقاتها
في الدراسات الثقافية والاجتماعية. وثمّة بعض الدراسات الميدانية التي قام بها عدد
من الباحثين العرب، في مناطق متعدّدة من الوطن العربي.
إنّ هذه التوجّهات، تبشّر بأن للأنثروبولوجيا
العربية مستقبلاً زاهراً، شريطة أن تعمّق هويتها العربية، سواء في منطلقاتها
النظرية، أو في أهدافها التطبيقيّة، وأن تبتعد مادتها عن النقل من دون نقد أو
تطوير.
المرجع|
بتصرف عن: عيسى الشماس، مدخل إلى علم الإنسان، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق،
2004.

تعليقات
إرسال تعليق