التخطي إلى المحتوى الرئيسي

انثروبولوجيا| الانثروبولوجيا والبناء الاجتماعي


البناء الاجتماعي ووظيفته
أصبح واضحاً أنّ الأنثروبولوجيا، تدرس الإنسان وأعماله، وما طرأ عليه من تطوّر سواء في عضويته أو مظهره الخارجي، وذلك بتأثير الظروف الطبيعية والاجتماعية المحيطة به. ودراسة الإنسان في بيته الاجتماعية بصفته عضواً في جماعة بشرية، فظهرت (الأنثروبولوجيا الاجتماعية).
الأنثروبولوجيا الاجتماعية تدرس المجتمعات الصغيرة وشبه البدائية بفنونها واقتصادها، حيث تسود الأميّة والأعمال اليدوية الأولية، وتتابع تطوّرها، وصولاً إلى دراسة المجتمعات الحديثة والمعقّدة في نسيجها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.
يعرّف إيفانز بريتشارد البناء الاجتماعي: "نسق اجتماعي يتميّز بدرجة معيّنة من الثبات والاستقرار. يتألّف من جماعات وزمر، مثل: العشائر والقبائل والأمم، تقوم كلّ منها بتنظيم علاقات الأفراد الذين ينتمون إليها".
 براون على تعريف بريتشارد، لكنّه أضاف إليه بعض العناصر، كالعلاقات التي تجمع بين شخصين أو أكثر، مثل: (نظام القرابة، العلاقات الثنائية كعلاقة الأب بابنه والأخ بأخته)، كذلك عمليات التمييز بين الأفراد على أساس الدور الاجتماعي، كأدوار النساء أو الرجال.
ركّز براون على العلاقات الاجتماعية العامة التي تتكرّر فيها الأنماط الاجتماعية باستمرار، والتي يتكوّن منها البناء الاجتماعي. وربط ذلك بموضوع ثبات البناء الاجتماعي واستمراره، من خلال الاستقرار الديناميكي الذي يتغيّر بدرجات متفاوتة.
يؤكّد براون: أن موضوع دراسة البناء الاجتماعي، هو السلوك المتكرّر لعدد من الأفراد، والذي يمثّل نمطاً اجتماعياً معيّناً. أي لا يدرس السلوك الفردي.
قاموس العلوم الاجتماعية يميّز بين نوعين من البناء الاجتماعي، حيث يقسم إلى:
·        الزمر الاجتماعية: تنقسم بدورها إلى زميرات صغيرة، ومنها إلى وحدات أصغر منها. وتقسم تلك الوحدات إلى أفراد، يتميّز كلّ منهم عن الآخر بوظائف اجتماعية يعمل على تحقيقها. وبوضع اجتماعي معيّن يحتلّه بين الأفراد الآخرين .
·        النموذج الثقافي: كل نموذج ثقافي يقسم إلى العناصر مكوّنة له، كالثقافة المرتبطة بالعادات الشعبية، أو النماذج الثقافية المرتبطة بالقيم والأعراف وأساليب التعامل المختلفة.
خصائص البناء الاجتماعي:
1- يتكوّن البناء الاجتماعي من أنماط العلاقات الاجتماعية.
2-البناء الاجتماعي كلّ متكامل.
3-البناء الاجتماعي مستقرّ وثابت نسبيّاً.
يرى دوركايم أنّ فكرة تطبيق الوظيفة في دراسة المجتمعات الإنسانية تقوم على المماثلة بين الحياة الاجتماعية والحياة العضوية.
استناداً إلى هذه الفكرة، ثمّة اتجاهان في تفسير نشأة الوظيفية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية:
الاتّجاه الأول: يرى أنّ  الوظيفيّة نشأت في ظلّ التكالب الأوروبي بعد الثورة الصناعية، في نهاية القرن (19) وبداية القرن (20)، على شعوب العالم لاسيّما الضعيفة، من أجل تأمين الأسواق لتصريف منتجاته الصناعية الآخذة في النمو من جهة، وتأمين مواد الخام الأولية لتغذية صناعاته المختلفة من جهة  أخرى.
فقد سخّر الاستعمار علم الأنثروبولوجيا في الأبحاث العلمية؛ لتهيئة المناخ الملائم للمنفّذين الفعليين لأهدافه بأقلّ الخسائر المادية والبشرية الممكنة عن طريق دراسة المؤسّسات الاجتماعية القائمة في المجتمع الذي يراد استعماره واستغلاله، ومعرفة المكانة التي تحتلّها هذه المؤسّسات الاجتماعية في نفسيّة أفراد ذلك المجتمع، بالتالي الوقوف على نقاط القوّة والضعف عند الشعب المراد إخضاعه.
الاتجاه الثاني: يرى أنّ نشوء الوظيفية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية ردّة فعل تجاه الدراسات التي امتاز بها القرن (19) والتي لا تخلو من عيوب كثيرة، تتمثّل في:
1- الاعتماد على جمع المعلومات عن مجتمع ما عن طريق المبشرين الدينيين أو الرحالة، وأحياناً عن طريق الأصدقاء الذين يوجدون في المناطق المستعمرة أو المراد استعمارها.
2- تحليل الدراسات الأنثروبولوجية لظاهرة اجتماعية معيّنة، كالمعتقدات الروحية مثلاً، دون ربطها بالمظاهر الاجتماعية الأخرى، كنظام القرابة أو العادات والتقاليد.
رغم التقارب الملحوظ بين علم الانثروبولوجيا الثقافية وعلم الاجتماع الثقافي، فثمّة تمايز بينهما، يتمثل في المعايير الآتية:
·        المعيار الأوّل: طبيعة المجتمعات التي اهتمّت بها كلّ منهما. ففي حين اهتمّت الأنثروبولوجيا بالمجتمعات البدائية، فقد اهتمّ علم اجتماع الثقافة بالظواهر الاجتماعية ذات التركيب الطبقي.
·         المعيار الثاني: هناك انتقال من مفهوم موسّع وشامل للثقافة (لولاه لم تظهر نظريات بأكملها، كالتطوّرية والانتشارية)، إلى مفهوم تصنيفي حسب معطيات التركيب الاجتماعي الموجود.
·        المعيار الثالث: مصدره التباين المنهجي بين العلمين.
يرى براون أنّ وظيفة أي نظام اجتماعي، هي الدور الذي يؤدّيه هذا النظام في البناء الاجتماعي.
الأنثروبولوجيا في المجتمع الحديث
انتقل الفكر الأنثروبولوجي مع بداية النصف الثاني من القرن (20) من البحوث التاريخية والتطوّرية إلى البحوث الميدانية، حيث تتمّ دراسة الثقافة كما هي في واقعها أثناء فترة الدراسة.
يقول بريتشارد إنّ أحب موضوعين للبحث كانا: (العائلة، والدين)، وعلماء القرن (19) لم يملّوا من الكتابة في هذين الموضوعين، وقد وصلوا إلى نتائج كانت محلّ نقاش بينهم لفترة طويلة. لكن رغم اختلاف هؤلاء العلماء على ما يمكن استخلاصه من وقائع  كانت تحت أيديهم،  فكانوا يتّفقون على الأهداف التي يرمون إليها، وهي إثبات التطوّر.
كانت المشكلات التي درسها علماء الأنثروبولوجيا حتى وقت قريب، بعيدة عن مجالات الحياة اليومية، وكان من الصعب التوفيق بين المشكلات النظرية حول تطوّر الثقافة أو الانتشار الثقافي أو وصف الطرائق الثقافية، وبين مشكلات الصراع والتلاؤم التي كانت تجذب الانتباه، سواء داخل الثقافات الآخذة بالنمو، أو في مناطق الاحتكاك بين الثقافات .
لذلك انتقلت الأنثروبولوجيا إلى موضوع  جديد يتعلّق بما يسمّى بـ(الدراسة المتزامنة لمكوّنات الثقافة وعناصرها الأساسيّة  والعلاقات المتبادلة فيما بينها). وبرزت نتيجة ذلك نظريتان، هما: الاتّصال الثقافي، والتطوّرية الجديدة .
تعريف التثاقف (المثاقفة): "التثاقف يشمل الظواهر التي تنجم عن الاحتكاك المباشر والمستمرّ بين جماعتين مختلفتين في الثقافة، مع ما تجرّه هذه الظواهر من تغيّرات في نماذج الثقافة الأصلية، لدى إحدى المجموعتين أو كلتيهما ".
هذا التعريف يعني أنّ التثاقف هو تأثّر الثقافات بعضها نتيجة الاتّصال بين الشعوب والمجتمعات، مهما كانت طبيعة هذا الاتّصال وأهدافه.
ثمةّ مفهوم آخر مرادف لكلمة (المثاقفة) وهو (المناقلة الثقافية) ظهر لأول مرة عام 1940.
ظهر في بداية النصف الثاني من القرن (20)، عدد من الأنثروبولوجيين الذين بدأوا يضعون نظرية خاصة لدراسة المجتمعات الإنسانية ومراحل تطوّرها، وموقع التغيير الثقافي في ذلك. كان من أبرز هؤلاء، عالم الآثار الإنكليزي (تشايلد)، والأميريكيان: (ستيوارد، وهوايت) دعا هوايت لعدم استخدام النظم الأوروبية كأساس لقياس التطوّر، وضرورة إيجاد محكّات أخرى يمكن قياسها وتقليل الأحكام التقديرية بشأنها. وأكّد من المهمّ ألاّ تقتصر النظرية التطوريّة على تحديد مراحل تسلسل النمو الثقافي، وإنّما لا بدّ من إبراز العوامل التي تحدّد هذا التطوّر. ويمثّل عامل "الطاقة" المحك الرئيس لتقدّم الشعوب. أي المضمون التكنولوجي في ثقافة ما يحدّد كيانها الاجتماعي واتّجاهاتها الأيديولوجية.
انقسم هذا الاتّجاه الثقافي التطوّري، إلى ثلاث مدارس  تنادي كلّ منها بمجموعة من القضايا  العامة:
·        المدرسة الأولى: تأخذ بمسلّمة "التاريخ يتجه في تتابع وحيد حين تتطوّر النظم والعقائد"، استناداً إلى مبدأ الوحدة السيكولوجية لبني البشر. من هنا تتطوّر الثقافة الإنسانية، حيث تتشابه الظروف العقلية والتاريخيّة.
·        المدرسة الثانية: تأخذ بالمنهج المقارن حين تعالج التتابع التطوّري للنظم والمعتقدات الإنسانية، بعقد مقارنات بين الشعوب والثقافات، في سائر المراحل المبكرة لأطوار الثقافة، بحثاً عن المصادر الأثنولوجية للسمات الثقافية.
·        المدرسة الثالثة: تأخذ بفكرة المخلّفات والرواسب الثقافية، على اعتبار أنّ هذه المخلفات القائمة في المجتمع هي شواهد من الناحية المنطقيّة، وأنّ المجتمع قد مرّ في مراحل أقلّ تطوّراً  ومراحل أكثر تركيباً وتطوّراً.
مهّدت أفكار التطوّرية الجديدة، إلى نشوء تخصّص  أثنولوجي جديد يبحث في العلاقات المتبادلة بين الطبيعية والثقافة، عرف  فيما بعد باسم الأيكولوجيا الثقافية، والتي تستند إلى النظرية البيئية التي  يعود تاريخها إلى هيبوقراط اليوناني، ومن ثمّ مونتسيكو الذي وضع أسس هذه النظرية والتي يتبعها بعض علماء الأنثروبولوجيا في العصر الحديث. تتلخّص آراء هذه النظرية، بأنّ العوامل الطبيعيّة للمنطقة، لاسيّما الظروف المناخيّة، قد كوّنت المظهر الخارجي للأفراد، وعيّنت طراز حياتهم. وقضت على كلّ فرد لا يملك الصفات التي تتّفق وتلك البيئة.
يعتمد الأيكولوجيون الثقافيون في تفسير التباين بين ثقافات الشعوب المختلفة، على ظاهرة التنوّع البيئي كما يهتمّون بالكشف عن كيفيّة تأثير الثقافة مع ما يحدث في البيئة من تغيرات جذرية، على تكيّف الفرد وتفاعله الاجتماعي.
تتلخّص وجهة نظرهم هذه، في جملة (التأثير القوي للبيئة) وأنّ أثر البيئة كبير على الثقافة في مجالات كثيرة. ويستشهدون على ذلك، بسكان الأسكيمو، وأستراليا الأصليين، وتأثّر ثقافة كلّ من هذه الشعوب بالبيئة المحيطة. لكنّ ثمّة معارضون في العصر الحديث لهذه النظرية، لأنّهم يرون أنّ كثيراً من البيئات المتشابهة، تضمّ ثقافات وحضارات مختلفة.
هكذا بدأت الأنثروبولوجيا تأخذ مساراً جديداً لتأكيد النسبية الثقافية والاتّجاه العلمي في الدراسات الأثنولوجية، حيث بذلت محاولات جادة  للنظر إلى الثقافة من خلال مفهومات أفراد المجتمع وتصوّراتهم، وليس من منطلق الباحث الأثنولوجي ونظرته الخاصة .
كان من نتيجة ذلك، ظهور أربعة اتّجاهات في الدراسة الأثنولوجية، فيما يلي عرض موجز لهذه الاتّجاهات الأربعة :
 بعد انتهاء الاستعمار وحصول المجتمعات المستعمرَة على استقلالها، قلّ اهتمام الأنثروبولوجيين بدراسة عملية المثاقفة، واتّجهوا  إلى دراسة  التغيّرات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن استخدام التكنولوجية الغربية الحديثة في المجتمعات المستعمَرة، بقصد تنميتها وتطويرها. شجّعتهم على ذلك الحكومات الغربية المنتجة لهذه التكنولوجية، والهادفة من ورائها إلى تحقيق تغيّرات أيديولوجية معيّنة (سياسية، وثقافية، واجتماعية).
لقد أعطت الظروف السياسية الجديدة دفعة كبيرة لدراسة حركة التغيرات الناجمة عن نقل التكنولوجيا الحديثة إلى الثقافات التقليدية في المجتمعات المتخلّفة.
إلاّ أنّ الأهداف التي كانت وراء نقل التكنولوجية إلى المجتمعات التقليدية تحت مصطلح "التنمية"، أثارت الكثير من القضايا الأخلاقية، لاسيّما الأضرار التي قد تصيب الإنسان وبيئته، بسبب عدم حاجة المجتمعات النامية لهذه التكنولوجية، أو عدم مناسبة استخدامها في تلك المجتمعات. رغم ذلك، فقد كان لهذا الاتّجاه أثر واضح في الأنثروبولوجيا التطبيقية .
أدّى تنامي الاتجاهات التحرّرية في الفكر الأنثروبولوجي إلى تراجع توظيف الأثنولوجيا لخدمة الأهداف السياسية، ونشأ تخصّص جديد يعرف بـ"الأنثروبولوجيا التنموية" حيث يقوم الباحثون الأنثروبولوجيون بتقديم خبراتهم المعرفية في خدمة المشروعات الاقتصادية والاجتماعية. أي نتائج الدراسات الأنثروبولوجية التطبيقية أصبحت توظّف لخدمة الدول النامية في عمليات التغيير التنموي المخطّط.
استناداً لذلك، أصبحت مسألة استخدام المعرفة الأنثربولوجية من القضايا الهامة التي أثارت اهتمام الباحثين والمسؤولين على حدّ سواء. وهذا ما دفع الجمعية الأنثربولوجية الأمريكية إلى تشكيل لجنة في عام 1968، لبحث المسؤوليات الأخلاقية التي يجب أن يتحمّلها الباحثون الأنثروبولوجيون، تجاه المجتمعات التي يقومون بدراستها، ولا سيّما تلك المصلحة التي تستخدم نتائج البحوث الأنثروبولوجية من أجلها. انتهى ذلك إلى إصدار بيان "وثيقة الأخلاقيات الأنثروبولوجية" عام 1973، حدّدت بموجبها علاقة الأنثروبولوجيين بالأفراد (الجماعات) المدروسين من جهة، ومسؤولياتهم تجاه الدول في المجتمعات المضيفة من جهة أخرى. هذا يدخل في مسؤوليات الباحث الأنثروبولوجي، لاسيّما الأمانة المهنية والأخلاقية، وحماية الأفراد الذين يتعامل معهم. كان نتيجة ذلك، ظهور ثلاثة اتّجاهات فرعية بشأن إجراء الدراسات الأنثروبولوجية واستخداماتها:
¬    الاتجاه الأول: ذو نزعة تقليدية، يرى أنّ القيم العامة والسياسة لا علاقة لهما  بالعلوم الاجتماعية، وعلى الباحث الأنثروبولوجي تقديم الحقائق التي يحصل عليها كما هي دون الاهتمام بنتائجها، على اعتبار أنّ العلم منفصل عن القيم الأخلاقية .
¬    الاتجاه الثاني: ركّز على مبدأ النسبية الثقافية.
¬    الاتّجاه الثالث: يرى أنّه يتوجّب على الباحث الأنثروبولوجي أن يتّخذ موقفاً أيديولوجياً محدّداً قبل القيام بالدراسة. إمّا خدمة الاستعمار أو مناهضته.
تعدّ النظرية (المادية التاريخية) الركيزة  الأساسية للفكر الماركسي. يرى ماركس أنّ جوهر الإنسان ليس شيئاً مجرّداً وكامناً في نفس كلّ فرد، بل هو نتاج العلاقات الاجتماعية التي يعيش في إطارها.
ركزت النظرية المعرفية على دراسة الثقافة الإنسانية، بالبحث عن طرق تفكير الناس وأساليب إدراكهم للأشياء.

تبلورت النظرية المعرفية في الدراسات الأنثروبولوجية، في ستينات القرن (20)، من خلال مدرستين رئيسيتين: البنائية في فرنسا، والأثنوجرافية الجديدة في أمريكا .
يعدّ ستروس مؤسّس المدرسة البنائية في الدراسات الثقافية الأنثروبولوجية. فهو يعرّف النظرية البنائية أنّها تقوم على التمييز بين الصورة والمضمون.
يأخذ مفهوم البنية عند ستروس طابع النسق (النظام)، حيث تتألّف البنية من مجموعة عناصر، يمكن لأي تحوّل في أحدها أن يحدث تحوّلاً ما في العناصر الأخرى.
من هنا مهمّة الباحث الأساسية، في العلوم الأنثربولوجية تكمن في التصدّي  للظواهر الإنسانية الأكثر تعقيداً، أو الأكثر تفكّكاً. بقصد الكشف عن عوامل التعقيد أو الاضطراب. والوصول إلى البنية التي تحدّد العلاقات الكامنة في الظواهر والأشياء .
سعى ستروس إلى أن يربط بين الدراسات اللغوية والاجتماعية والأثنولوجية.
 إنّ العلاقات الاجتماعية في أي نظام اجتماعي، لا يمكن أن تفهم إلاّ في إطار عملية التواصل والتبادل بين الأفراد الذين يشكّلون هذا النظام الاجتماعي. عن طريق دراسة العمليات العقلية التي  تحكم تفكير هؤلاء الأفراد، وتوجّه سلوكاتهم وعلاقاتهم ضمن البنية التي تؤلّف ثقافتهم.
ظهرت هذه المدرسة في أمريكا بدايات ستينات القرن (20)، تستند هذه النظرية إلى نتائج علم اللغة، والعلاقة المتبادلة بين علم اللغة والأثنولوجيا، والاستفادة من هذين العلمين في تبنّي منهج متكامل للبحث في العلوم الاجتماعية .
برز اهتمام الأمريكيين بالصلة بين اللغة والثقافة، منذ عام 1964 حين اقترح هايمز مصطلحاً جديداً لتلك الصلة، يتمثّل في (الأنثروبولوجيا اللغوية).
وانطلاقاً من هذا المصطلح، بدأ الأنثروبولوجيون اللغويون المعاصرون يهتمون بتطوير المدخل اللغوي في دراسة الثقافة، بحيث تؤدّي دراساته عن أصل اللغة ومراحل تطوّرها، إلى مجالات دراسيّة جديدة حول تطوير الأسس الاجتماعية والإعلامية، التي تقوم عليها الحياة الإنسانية الحاضرة والمستقبلية. لذلك قام عدد من الأنثروبولوجيين في أمريكا، بإجراء دراسات  لغوية بقصد تأكيد علمية دراسة الثقافة الإنسانية، وذلك من خلال وصف الثقافة وتحليلها وفقاً لتصوّرات الأفراد ومفاهيمهم، التي تتجلّى في سلوكاتهم اللغوية.
واستناداً إلى هذا المنهج التحليلي، أظهرت نتائج دراسات أثنوجرافية متعدّدة، اختلافات المعايير بين الشعوب، والتي يصنّف الأفراد بموجبها في المجتمعات المختلفة مفاهيمهم واتّجاهاتهم، فيما يتعلّق بتصنيف الأشياء المختلفة، كالألوان أو الطعام أو الحيوان أو النبات، وغيرها من مكوّنات البيئة المحيطة. وهذا يعني أنّ الأثنوجرافيا الجديدة، تسعى إلى دراسة الثقافة من خلال وصفها وتحليلها، وليس كما يراها الباحث الأنثروبولوجي، بالاعتماد على تحليل اللغة التي يستخدمها أفراد المجتمع.

المرجع| بتصرف عن: عيسى الشماس، مدخل إلى علم الإنسان، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2004.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

علم الاجتماع العائلي| مدخل نظري

بسام أبو عليان محاضر بقسم علم الاجتماع ـ جامعة الأقصى تعريف علم الاجتماع العائلي: v     وليم كوود: "هو العلم الذي يدرس الجذور الاجتماعية للعائلة، وأثرها في المجتمع والبناء الاجتماعي" [1] . v     رونالد فليجر: "العلم الذي يدرس العلاقة المتفاعلة بين العائلة والمجتمع" [2] . v     تالكوت بارسونز: "العلم الذي يدرس العائلة دراسة اجتماعية، ودراسة أنساقها العمودية والأفقية، ونظم الاتصال الموجودة فيها مع نظامي السلطة والمنزلة" [3] . v   "أحد فروع علم الاجتماع العام، يهتم بدراسة الأسرة وما يتعلق بها من ظواهر؛ بهدف تفسيرها وتحليلها، ودراسة مشكلات الأسرة بهدف حلها أو الحد منها". أهداف علم الاجتماع العائلي [4] : 1.     تقوية علاقة الفرد بالأسرة من جهة، والمجتمع المحلي من جهة أخرى. 2.     دراسة المشكلات الأسرية؛ بهدف حلها أو الحد منها بطرق علمية واقعية. 3.     جعل الأسرة متكيفة مع التغيرات الاجتماعية الحاصلة في المجتمع. 4.     تعميق وعي الأسرة بأدوارها الأساسية و...

الطلاق.. علاج لمشكلة وليس مشكلة

بسام أبو عليان محاضر بقسم الاجتماع ـ جامعة الأقصى يعتقد كثير من الناس، بينهم بعض المختصين في علم الاجتماع، وعلم النفس أن الطلاق مشكلة نفسية اجتماعية. هذا اعتقاد خاطئ؛ لأن الطلاق هو حل لمشكلة، وليس مشكلة في ذاته. إن الله تعالى حين شرع الطلاق شرعه كعلاج لمشكلة أسرية، وحاشاه سبحانه أن يعالج مشكلة بمشكلة أخرى، هذا من جهة، من جهة أخرى جاء الطلاق في المرحلة الأخيرة في "روشتة" العلاج الشرعي، - إن جاز التعبير -، فهناك ثلاث مراحل متتابعة لعلاج المشكلات الزوجية، وفق الترتيب الآتي: (جهود الزوجان، جهود الأقارب، الطلاق). قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّـهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّـهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴿٣٤﴾ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا ...

اعرف من أي شجرة أنت من تاريخ ميلادك

إذا كان تاريخ ميلادك من: v     (23/12-1/1) + (25/6-4/7) شجرة التفاح. v     (2-11/1) + (5/7-14/8) شجرة التنوب. v     (12-24/1) + (15-25/8) شجرة الدردار. v     (25/1-3/2) + (26/8-4/9) شجرة السرو. v     (4-8/2) + (5-13/9) شجرة الحور. v     (9-18/2) + (14-23/9) شجرة الأرز. v     (19-28/2) + (24/9) شجرة الصنوبر. v     (1-10/3) شجرة الصفصاف. v     (11-20/3) شجرة الكلس. v     (21/3) شجرة البلّوط. v     (22-31/3) + (25/9-3/10) شجرة البندق. v     (1-10/4) + (4-13/10) شجرة لسان العصفور. v     (11-20/4) + (14-23/10) شجرة القيقب. v     (21-30/4) + (24/10-11/11) شجرة الجوز. v     (1-14/5) شجرة الحور. v     (15-24/5) + (12-21/11)   شجرة الكستناء. v     (25/5-3/6) + (22/11-1/12) شجرة ال...