النظريات والمذاهب
المفسرة للدين[1]
تعد النظرية ضرورة ملحة لا يمكن الاستغناء
عنها؛ لأنها تقوم بدور الموجّه والمرشد للباحث، تساعده في فهم الظواهر، وتحليلها،
وتفسيرها، واستخلاص النتائج وصولًا لإصدار القوانين والتعميمات التي تفسر ظواهر
المجتمع.
النظرية: "هي
نسق فكري استنباطي متسق حول ظاهرة أو ظواهر متجانسة، يحتوي على مفاهيم وقضايا
نظرية توضح العلاقة بين الظواهر وتنظمها بطريقة ذات معنى، كما أنها ذات بُعد
إمبريقي يعتمد على الواقع ومعطياته، وذات توجيه تنبئي يساعد على فهم مستقبل
الظاهرة ولو بصيغ احتمالية".
في هذا الفصل سنتحدث عن المذاهب والنظريات
التي فسرت نشأت وتطور الأديان في المجتمعات الإنسانية منذ
بداياتها الأولى حتى وصلت لشكلها الحالي.
أولًا| المذهب
الطبيعي:
يرى أنصار المذهب الطبيعي أن الدين جاء نتيجة
أول محاولة قام بها الإنسان البدائي لتفسير الظواهر الطبيعية، ـ لاسيما التي تثير
في النفس الخوف والرهبة ـ، كصواعق الرعد، والأمطار الغزيرة، والفيضانات،
والبراكين، والزلازل. انقسم أنصار المذهب الطبيعي إلى فريقين:
الفريق الأول| ماكس ميلر[2]:
يرى ميلر أن تحريك فكرة الدين في نفوس
الأفراد يعود إلى التفكير والتأمل في الظواهر الطبيعية، وما تثيره في النفس من
دهشة وتعجب أو خوف، فيخلص الفرد لوجود قوى غيبية مستقلة عن إرادته تسيّر الكون
وتتحكم في ظواهره، ولا يمكن له أو لغيره تغييرها أو التأثير فيها.
يؤمن ميلر بقاعدة: "لا يوجد شيء في
العقل ما لم يأته عن طريق التجربة أولًا". أسقط هذه القاعدة على الدين، فقال:
"لا يتحقق تدين الإنسان ما لم يأته عن طريق الحواس". يقوم الدين عند
ميلر على الملاحظة والتجربة، وقد وظّف تخصصه في علم الفيلولوجيا (علم اللغات)؛
ليثبت صحة نظريته، فطبق المنهج اللغوي المقارن على نصوص الكتاب المقدس للبراهمة
(الفيدا)، فوجد أسماء لآلهة تعبر عن قوى طبيعية. أتى بمثال: أحد آلهة الهند
الرئيسية (أجني)، معناه في اللغة: النار، وتتبع الأصل اللغوي لهذا الاسم فوجد له
مكانًا في فروع اللغات الهندوأوروبية، فهو يعني في اللغة اللاتينية: آجينز. بناءً
على ذلك توصل إلى أن هذا اللفظ بدائيًا وعامًا قبل أن تنفصل اللغات الهندوأوروبية
عن بعضها، وأن الديانة الأولى للإنسانية كانت عبادة الظواهر الطبيعية، كما أقام
نظريته على اعتبارات نفسية، بأن الظواهر الطبيعية التي تحيط بالإنسان تغرس في نفسه
الخوف، وهي كفيلة بإثارة فكرة التدين في نفسه، وربط الدين بفكرة اللامتناهي، أي كل
شيء في الطبيعة يرمز لقوة لا متناهية تأتيه عن طريق قلبه وحواسه.
في تعقيبه على نظرية ميلر اعتبر محمد درّاز[3] أن تفسيره من أصح وأقوى
التفسيرات في بيان نشأة الدين رغم الانتقادات التي وجهت له.
الفريق الثاني| جيفونز[4]:
رأى جيفونز أن التفكير والتأمل لا يكفيان
لتحريك فكرة التدين في نفس الإنسان، بل الذي يثيرها الظواهر الطبيعية الشاذة وما
تتركه في النفس من الخوف والرهبة، فتجعل الإنسان يبحث عن مصادرها الأولى وينسبها لقوى
غيبية خارقة للعادة، بالتالي لابد أن يقدموا لها القرابين؛ حتى يحوزون على رضاها
ويتقون شرها.
انتقد ساباتيه تفسيرات جيفونز الذي رأى أن الشعور
بالخوف والرهبة من القوى الغيبية لا يكفيان وحدهما لتفسير نشأة الدين؛ لأنه لابد
من وجود شعور موازي يخفف من حدة الخوف والرهبة؛ لأن الخوف إذا استوطن في نفس
الإنسان سيدب فيه اليأس والإحباط، ووقف الحركة وشلل مسيرة الحياة، فتكون المحصلة
النهائية وقف عقل الإنسان عن التفكير والتأمل. لذلك؛ كي يتحقق الشعور الديني لابد
من مقاومة الخوف بالرجاء والأمل، فهما يبعثان في النفس الأمن والطمأنينة، وتحثها
على الدعاء والتضرع، وهذا هو جوهر التدين. الانتقاد الأشد والأقسى أتى من جهة إيفانز
بريتشارد[5]، الذي
شدد على أن نظرية جيفونز لا تشتمل على جملة واحدة لها مدلول نظري، إنما هي عبارة
عن مجموعة تركيبات سخيفة تقوم على فرضيات وخواطر وتكهنات فارغة خالية من المعنى[6].
ثانيًا|
المذهب الحيوي (الروحي):
ينسب المذهب الحيوي لإدوارد تايلور، الذي
تناوله في كتابه "الحضارة البدائية"، فقد ذهب إلى أن أقدم ديانة عرفتها
البشرية هي عبادة بالأرواح. نشأت من اعتقاد الإنسان بالحياة المزدوجة التي يعيشها
في حالتي اليقظة والنوم. بمعنى، ما يراه الفرد في نومه من أحلام يعتبره قد حصل حقيقية
في الواقع، فلو رأى في منامه أنه زار مكانًا ما، فإنه يعتقد أنه قد زاره فعلًا.
وخلص إلى أن الإنسان يتكون من كائنين، هما: (الجسد، والنفس). الجسد موجود في
المكان الذي نام فيه الفرد، له صفات مادية كالانتقال، والاستقرار، والمكان... إلخ.
والنفس قادرة على الانتقال من مكان لآخر في الوقت الذي يكون فيه الجسد نائمًا. من
مميزاتها: القدرة على اختراق الحواجز وأجزاء الجسد، وإلحاق الضرر بالناس، ولا يمكن
لمسها؛ لأنها متصلة بالجسد، ولا يستطيع الفرد الاتصال بها إلا عن عبر طقوس خاصة. لا
يمكن للنفس أن تصبح روحًا إلا بعد الموت؛ لأن الموت يعني انفصال الجسد عن الروح.
عندما يموت الناس تتجمع أرواحهم فتشكل عالم
الأرواح حول العالم الحي. لكل روح ميولها الخاصة وتحاول مشاركة الناس في حياتهم
بإنزال النكبات والضرر والألم أو مساعدتهم والتخفيف عنهم. يتغير موقفها من الناس
حسب مشاعرهم تجاهها. لذلك اعتقد الإنسان أن ما يصيبه من التوفيق أو التعثر راجع للأرواح،
بل اعتبرها هي التي تمنحه الصحة والمرض، والسعادة والشقاء، والخير والشر. فأصبح
ملزمًا ببذل جهده؛ لينال رضاها، ويتقي سخطها من خلال تقديم بالقرابين والهدايا
وأداء الصلوات إليها.
إذا كان الموت هو الذي حوّل النفس الإنسانية
لأرواح مقدسة، فإن تايلور يعتقد أن أول عبادة مارسها الإنسان قبل عبادة الأرواح
هي: عبادة الموتى. وكانت الطقوس الأولى طقوسًا للموت، وكانت القرابين الأولى
غذائية تشبع حاجات الموتى، وأولى المذابح التي كانت تذبح عليها القرابين هي
القبور.
بقي أن نشير، نظرية تايلور تعرضت لانتقادات
من قبل العديد من العلماء، منهم:
1. دوركايم: بيّن أن الإنسان البدائي ليس بحاجة لتفسير الأحلام؛ لأن آثار
الأحلام لا تستقر كثيرًا في النفس، وسرعان ما تتلاشى.
2. أندرو لانغ: رفض فكرة أن الآلهة تطورت عن الأرواح.
3. شميدت: وافق تايلور وعارضه في آن واحد. وافقه بأن اعتقاد الأرواح جاء عن
طريق الأحلام، وعارضه بأن فكرة الآلهة تطورت عن طريق الأرواح، وبيّن أنه يوجد فرق
بين الأحلام عند الشعوب البدائية والآلهة التي فسرتها نظرية تايلور[7].
ثالثًا|
مذهب المادة الحية (المانا):
ترتب على انتقاد نظرية تايلور (المذهب
الحيوي) ظهور مذهب جديد يتزعمه ماريت وكنج، أطلقا عليه مذهب المادة الحية أو المانا.
رأيا أن الحياة الدينية التي قدمها تايلور يسبقها مرحلة اعتقد فيها الإنسان بوجود
قوة واحدة منتشرة في العالم هي المانا التي نشأت عن طريقها الأرواح. للمانا صور
مختلفة تختلف باختلاف الجماعات الإنسانية، حيث يطلق عليها الهنود الحمر واكان أو
المانيتو.
الاعتقاد بوجود قوى خارقة للطبيعية أمر موجود
في كل المجتمعات البدائية، إلا أن القول بأنها غير مجسدة وقادرة على الخير والشر ينحصر
في جماعات محددة في ماليزيا، فهم يعتبرون أن لهذه القوى قدرة على الدخول في
الأشياء، وتحل في أشخاص وتمنحهم صفات وقدرات لم تكن موجودة لديهم من قبل، بل
يعتبرون الفرد الذي لا يستطيع أن يفهم تعاليم القبيلة تنقصه المانا، في حين الفرد
المتمسك بتقاليد القبيلة له حظ وافر من المانا.
رابعًا|
النظرية التكاملية التوفيقية:
تقر النظرية أن فكرة الآلهة في المجتمعات
البدائية لها ثلاثة مصادر، هي:
1. المادة الحية: الاعتقاد بأن الأشياء التي تعبد حية، وترتبط بحركة الأشياء.
فعبادة الأرواح تأتي في مرحلة أرقى من المادة الحية.
2. المانا: هي أساس فكرة الإلوهية وتربط بالتابو (الأمور المحرمة والمقدسة).
3. الآلهة الخالقة: هي فكرة فلسفية أكثر منها دينية.
خامسًا|
نظرية التوحيد البدائي:
من رواد نظرية التوحيد البدائي بروس ولانج
اللذان حاولا إثبات أن المجتمعات بدأت بالوحي الحقيقي الذي غرس فكرة (الله) في
النفس البشرية، لكن خطيئة الإنسان غيبت معالم تلك الحقيقة. فلم تصل البشرية إلى
فكرة التوحيد إلا بعد عدة أجيال. ونسبا فكرة التوحيد إلى الديانات السماوية.
الأسس الفلسفية التي تستند عليها نظرية التوحيد
البدائي:
v مبدأ السببية فطري في عقل الإنسان. إذا كان الإنسان يرجع كل شيء لسبب، فإن
التسلسل السببي في البحث عن حقيقة الأشياء سيؤدي حتمًا إلى الإيمان بوجود آلهة
خلقت الكون؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يخلق الأشياء الطبيعية. مثال: عندما الإنسان
يسأل نفسه: من خلق الجبال؟، من خلق الإنسان؟، من خلق البحار؟، من خلق الأنهار؟، من
خلق الطيور والحيوانات؟، ويتدرج في الأسئلة حتى يسأل من خلق السماء؟ فيتأمل ما
فيها من نجوم وكواكب، وحجمها، وكيفية ظهورها واختفاءها، وعدم ارتطامها ببعضها،
وعدم سقوطها على الأرض. في النهاية لابد أن يصل إلى النتيجة الحتمية، هي الإقرار
بوجود إله خالق ومدبر لهذا الكون. لهذا سند في ديننا، قال رسول الله r: "يأتي
الشيطانُ الإنسانَ فيقولُ: من خلق السمواتِ؟ فيقولُ: اللهُ. فيقولُ: من خلق
الأرَضِينَ؟ فيقولُ: اللهُ حتى يقولَ من خلق اللهَ؟ فإذا وجد أحدُكم ذلك
فَلْيَقُلْ: آمنتُ باللهِ ورسولِه" [الألباني، تخريج كتاب السنة:650].
v الإنسان يتصور الإله أنه كائن غير طبيعي يختلف عن الإنسان في قدرته على
الخلق، أو في حبه للخير.
v يوجد في كل مجتمع نوعان من العقيدة. الأولى: توصف بالفضيلة، والثانية:
توصف بالرذيلة ويمثلها الأساطير والأفعال الشريرة.
v الدراسة الواقعية لا تهدي الباحث إلا إذا كانت العقائد السامية أسبق في
وجودها على العقائد المنحطة. لذلك يرى لانج أن نوعي العقائد الصحيحة والفاسدة وجدتا
معًا. حاول تطبيق ذلك على الديانة
المسيحية التي قامت على العقيدة الصحيحة التي تبين صلة الإنسان بالله. ثم ظهرت
الآراء الفاسدة التي تنسب إلى القديسين الخوارق والمعجزات.
[1] للاستزادة
حول الموضوع انظر: أحمد الخشاب، مرجع سابق، ص104-144. محمد عبد الله دراز، مرجع
سابق، ص103- 172. يوسف شلحت، نحو نظرية جديدة في علم الاجتماع الديني (الطوطمية،
اليهودية، النصرانية، الإسلام)، ط1، بيروت، دار الفارابي، 2003، ص91-108.
[2] البعض
يكتبها ماكس مولر، ألماني الجنسية، عاش في الفترة بين (1823-1900م)، له دراسات حول
الدين والأساطير، وأبدى اهتماما كبيرا باللغة السنسكريتية الهندية القديمة.
[3] باحث مصري
متخصص في تاريخ الأديان (1894-1958م).
[4] عالم منطق
واقتصاد إنجليزي، عاش في الفترة بين (1835-1882م).
[5] من علماء
الأنثروبولوجيا الاجتماعية في انجلترا، عاش في الفترة من (1902-1973م).
[6] إيفانز
بريتشارد، الأناسة المجتمعية وديانة البدائيين في نظريات الأناسيين، ط1، ترجمة:
حسن قبيسي، بيروت، دار الحداثة، 1986، ص156.
[7] للاستزادة
انظر: فراس السواح، موسوعة تاريخ الأديان، دمشق، دار علاء الدين، 2003. نقلًا عن:
ويكبيديا، الأرواح، http://ar.wikipedia.org

تعليقات
إرسال تعليق