لم يستخدم مصطلح
"الصفوة" في كتابات علم الاجتماع والسياسة الأوربية إلا أواخر القرن
التاسع عشر، واستخدم في الكتابات البريطانية والأمريكية في عشرينات القرن العشرين.
يشير مصطلح "الصفوة" إلى الأقلية المتميزة في مختلف المجالات (السياسة،
الاقتصاد، الإدارة، العسكرية... إلخ). يختلف دور الصفوة وشكلها عبر التاريخ بحسب
وظيفتها. هذه الصفوة (الأقلية) تستحوذ على القرارات المهمة في المجتمع التي تهم
الأغلبية لاسيما في المجال السياسي.
تعريف
الصفوة:
"فئة
قليلة داخل المجتمع لها مكانة اجتماعية عالية تؤثر على شرائح المجتمع
الأخرى".
تهدف دراسات الصفوة إلى دراسة
بناء القوة في المجتمع. حيث تعود الأصول الأولى لدراسات الصفوة إلى (باريتو،
وموسكا، وميشيلز). فيما يلي الحديث عن كل عالم من أولئك العلماء.
أولًا:
نظرية الصفوة عند باريتو:
تناول
باريتو موضوع الصفوة في نظريته "قضايا التغيير والتوازن الاجتماعي"
مستندًا على المنهج "النقدي التحليلي المقارن"، حيث أكد أن وجود الطبقات
أمر حتمي في جميع المجتمعات عبر المراحل التاريخية، وأن الحديث عن الحرية
والمساواة والديمقراطية منافٍ الواقع. فغياب الحرية، وانعدام المساواة أمر تعكسه
الدراسات النفسية، والاقتصادية، والسياسية. وقد ركز على مفهومين، هما: (الرواسب
والمشتقات).
1) الرواسب:
تعبير عن قوى تدعو للاستقرار
والتوازن الاجتماعي، وهي ثابتة نسبيًا. وقد قسمها إلى ست فئات، هي:
v رواسب الترابط.
v رواسب استمرار التجمعات.
v رواسب إظهار العواطف من خلال الأفعال الخارجية.
v رواسب الألفة.
v رواسب التكامل الفردي.
v رواسب الجنس.
تلك
الرواسب تنطبق على الأفراد والجماعات والمجتمعات، وهي قوى تتحكم في التوازن
الاجتماعي، إلا أنها غير موزعة بالتساوي بين الأفراد والجماعات، حيث يوجد أفراد
يمتلكون قدرًا كبيرًا من رواسب الترابط، وآخرون يمتلكون قدرًا كبيرًا من رواسب
استمرار التجمعات. ويصدق على القول على بقية الرواسب. تعتبر الفئتان الأولى
والثانية من الرواسب أكثر أهمية، حيث ينتج عنها نموذجين من الشخصيات:
أ- المنتمون لرواسب الترابط: هم المجددون، يسعون لارتباطات
جديدة تخدم أهدافهم. مثل: الشركات، والاختراعات، وتأسيس جماعات... إلخ.
ب- المنتمون لرواسب استمرار التجمعات: هم
المحافظون، يحافظون على ما هو قائم، ويحاربون التغيير.
2) المشتقات:
من خلال المشتقات يحاول
الأفراد تبرير أفعالهم غير المنطقية لتبدو منطقية. هذه الأفعال لا تعبر عن
الحقيقة، وتخفي وراءها الأسباب الحقيقية للقيام بهذا الفعل. مثال: (السرقة) سلوك
غير مقبول اجتماعيًا، يقوم السارق بتبريره، أنه يملك أسرة كبيرة، ولا يوجد عنده
مصدر دخل ليعيلهم.
يعتبر باريتو أبناء الصفوة
يتمتعون بقدر عالٍ من الأداء في تخصصاتهم. وقد ميز بين نوعين من الصفوة:
v الصفوة الحاكمة: يؤدون دورًا بارزًا في ممارسة
السلطة.
v الصفوة غير الحاكمة: ليسوا في مراكز سلطة.
ثم تحدث باريتو عن "دورة
التغيير الاجتماعي"، حيث يوجد ميل عند نوعي الصفوة لتبادل السلطة. فحينما
تكون إحداهما خارج السلطة تبين سمات قوتها، كما تبين جوانب الضعف فيمن هم داخل
السلطة، فيعطيها مبررًا لتغيير السلطة ويصبح من هم خارج السلطة داخلها، والعكس.
ثانيًا: نظرية الصفوة عند موسكا:
يرى موسكا كل مجتمع ينقسم إلى
طبقتين، الأولى أقلية (الصفوة) تمارس الحكم، والثانية الأغلبية المحكومة (الشعب).
إن سيطرة الصفوة على الأغلبية
ناجم عن قدرتها على التنظيم، والتماسك، وسهولة الاتصال بين أفرادها، وقدرتها على
تشكيل سياساتها، والاستجابة السريعة لأي موقف. في حين الأغلبية تملك الصفات
العكسية. وبيّن أن الطبقة المحكومة يمكن أن تمارس ضغطًا على الصفوة بسبب عدم الرضا
الذي تشعر به، قد يؤدي في النهاية إلى إسقاطها، فنظهر طبقة جديدة تمارس دور
الصفوة.
ثالثًا: نظرية الصفوة عند ميشيلز:
أجرى ميشيلز دراسة للنزعات
الأوليجاركية (الأقلية) الموجودة في الأحزاب السياسية، معتمدًا على التحليل
التاريخي للحزب الألماني الديمقراطي الاشتراكي، الذي يعتبر حزب الطبقة العاملة.
توصل ميشيلز إلى وجود ثلاثة
أسباب لوجود الأوليجاركية في الأحزاب السياسية، هي: (خصائص التنظيم، وسمات القادة،
وسمات الجماهير). فالمنظمات المعقدة بحاجة لقادة من ذوي الخبرة والمهارة، حيث أن
المنظمة تدخل في صراع مع منظمات أخرى، فهي بحاجة لقرارات سريعة رشيدة، وهذا يتطلب
قيادة من ذوي الخبرة والمهارة والكفاءة. لذا يحصل القادة على دخل عال مما يجعلهم
يتبنون اتجاهات محافظة. كما لاحظ ميشيلز مع مرور الوقت يحدث شرخ بين قيادة الحزب
وقاعدته، حيث تعمل القيادات لتحقيق مصالحها الخاصة.
مناهج
تحليل الصفوة:
1.
منهج
المكانة:
الفرض الرئيسي الذي يقوم عليه
هذا المنهج هو: "الذين يسيطرون على مواقع السلطة يتخذون القرارات الهامة، ومن
لا يشغل مواقع في السلطة لا يؤثرون في اتخاذ القرارات.
من المآخذ على هذا المنهج: لا
يوجد اتفاق حول المواقع التي تعتبر مهمة، حيث يعتقد البعض أن المواقع المهمة هي
الاقتصادية، بينما يرى آخرون المواقع الإدارية.
2.
منهج
السمعة:
يعتمد هذا المنهج على تحديد
الشخصيات المؤثرة في المجتمع، التي تؤدي دورًا مهمًا في تحقيق إنجازات المجتمع.
يؤخذ على هذا المنهج أنه غير موضوعي في تحديد أفراد الصفوة، كما أنه يقيس السمعة
ولم يحدد من يمارس السلطة.
3.
منهج
صنع القرار:
يقوم المنهج على فرض
"الذين يشاركون فعلًا في عملية صنع القرار يكونون صفوة". وفقًا لهذا
المنهج فإن الخطوة المهمة الأولى هي تحديد القرارات التي تعتبر حيوية للمجتمع،
الخطوة الثانية تحديد الأشخاص المشاركين في صنع القرار (الصفوة).

تعليقات
إرسال تعليق