التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شماعة الاحتلال

أ. بسام أبو عليان
محاضر بقسم الاجتماع ـ جامعة الأقصى

المجتمع الفلسطيني كبحر لجي من المشكلات والأزمات. مشكلاته كثيرة، ومتعددة، ومعقدة. مشكلاته كأمواج متلاطمة تتقاذفه من كل جانب. فهو يعاني من مشكلات مزمنة سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وصحية، وتعليمية، وثقافية، وقانونية، وصناعية، وزراعية...إلخ. حين تبحث عن أسباب هذه المشكلات تجد الغالبية يعلقها على شماعة "الاحتلال الإسرائيلي"، ويعتبره سببًا رئيسيًا في افتعالها وتضخيمها، ويعفي الأطراف المحلية من المسؤولية. وفي ذلك خطأ في التعامل مع مشكلات المجتمع، والبحث عن سبل حلها. كما أنه يسهم في تزييف وعي الناس حول حقيقة الواقع الاجتماعي. لا شك أن "الاحتلال الإسرائيلي"، باعتباره أخبث وأسوأ أنواع الاحتلال على مدار التاريخ، فهو "إحلالي ـ استيطاني"، له باع طويل في افتعال المشكلات والأزمات، لكنه ليس دائمًا هو السبب الرئيسي فيها، فهناك مشكلات مجتمعية محلية بحتة لا دخل للاحتلال فيها، أو يكون دوروه فيها ثانويًا.
حين تحضر ندوة علمية، أو يومًا دراسيًا، أو ورشة عمل، أو تقرأ بحثًا أو مقالة، أو تستمع إلى برنامج إذاعي أو تلفزيوني يتناول مشكلة من مشكلات الواقع الفلسطيني. عند البحث عن أسباب المشكلة فإنها تلقى على شماعة "الاحتلال". خذ أمثلة على ذلك: سبب تعطل المصالحة الوطنية "الاحتلال"، سبب الكساد الاقتصادي "الاحتلال"، سبب غلاء الأسعار "الاحتلال"، سبب انتشار تعاطي المخدرات في أوساط الشباب "الاحتلال"، سبب غلاء المهور "الاحتلال"، سبب ارتفاع معدلات الطلاق "الاحتلال"، سبب ارتفاع معدلات البطالة "الاحتلال"، سبب ارتفاع منسوب الفقر "الاحتلال"، سبب ارتفاع حالات الوفاة "الاحتلال"، سبب ارتفاع معدلات الضغط النفسي واكتئاب الأفراد "الاحتلال"، سبب الانتحار "الاحتلال"...إلخ.
نؤكد مرة ثانية، لا يمكن إعفاء الاحتلال من تحمل جزء من المشكلة، لكن توجد مشكلات سببها مجتمعي، ويقع عبء حلها على الحكومة الفلسطينية. حيث توجد مشكلات تضخمت بسبب فشل سياسات وأسلوب الحكومة في التعاطي معها وتقديم العلاج الناجع لحلها. مثلًا: "مشكلة البطالة". لم تقدم الحكومة حلًا علميًا وعمليًا وجذريًا لهذه المشكلة، ولم تضع خططًا مدروسة ومجدولة لتخفض نسبتها على المدى القريب أو البعيد. إنما استخدمت بعض الحلول الترقيعية السطحية. ماذا يعني توفير فرصة عمل مؤقتة "يتيمة" لخريج مدتها ثلاثة أشهر أو سنة على أبعد حد. راتبها الشهري لا يتعدى ثلاثمائة دولار أمريكي. هل هذا المبلغ سيعين الخريج كي يفتح بيتًا ويتزوج؟. ماذا يعني توفير فرصة عمل مؤقتة لا تتجاوز مدتها أسبوعين لرب أسرة عاطل عن العمل منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام2000م، هل توفر له ضروريات البيت؟!
مشكلة ثانية: ارتفاع حالات وفاة المرضى أصحاب الأمراض المستعصية: ألا يرجع سببها إلى التلاعب في ملف العلاج بالخارج، وجعله أداة من أدوات المناكفة السياسية بين الضفة وغزة، ونتيجة قذرة من نتائج الانقسام هذا من جهة. ألا يتحمل الأطباء جزءًا من المسؤولية بسبب إهمالهم في أداء دورهم على الوجه الأكمل، وتعطيل قانون محاسبة الأطباء المهملين الذين تجاوزوا نسبة الخطأ المسموح بها في عملهم من جهة ثانية. ألا يتحمل المسؤولية الأطراف التي تتلاعب في مصدر العلاج وكيفية صرفه من جهة ثالثة. ما دخل الاحتلال بذلك؟!
مشكلة ثالثة: "غلاء المهور": تشكل عقبة كؤود في طريق الشباب المقبلين على الزواج، تجعلهم يعزفون عن الزواج ليس رغبة في العزوف بقدر عدم قدرتهم على توفير المهر المبالغ فيه. الذي يترتب عليه مشكلة اجتماعية أخرى (عنوسة الفتيات). أليس غلاء المهور بسبب التباهي الاجتماعي؟ أين تيسير المهور والعمل بسنة النبي عليه الصلاة والسلام؟ ما علاقة الاحتلال بغلاء المهور وتطبيق السنة النبوية في باب التيسير؟!
مشكلة رابعة: "الطلاق". إن ارتفاع معدلات الطلاق تعود لأسباب مجتمعية محلية بحتة. ألا توجد علاقة بين الطلاق وقِصَر فترة الخطبة، والتسرع في اتخاذ قرار الزواج دون تدبر؟ ألا يقع الطلاق بسبب الفارق في المستوى التعليمي والاجتماعي والاقتصادي بين الزوجين؟ أليس لكيد الحماة، وضيق البيت، وتأخر الإنجاب، ومواقع التواصل الاجتماعي دورًا في وقوع الطلاق؟ أين دور الاحتلال في ارتفاع معدلات الطلاق؟!
مشكلة خامسة: "فشل تحقيق المصالحة الوطنية". لا يختلف اثنان أن الاحتلال الإسرائيلي وبعض الجهات الدولية والإقليمية تضع عقبات تعيق تطبيق بنود المصالحة. لكن، ماذا لو توفرت الإرادة السياسية الحقيقية والقوية لطرفي الانقسام وقدما مصلحة الوطن على المصالح الحزبية والشخصية؟ لذا، لا يمكن إنكار دور بعض الأطراف الفلسطينية في عرقلة سير عجلة المصالحة.
قِس على ما سبق الكثير من مشكلات المجتمع. لو تأملتها بعين موضوعية ستجد أن أغلبها تعود لأسباب مجتمعية، ودور الاحتلال فيها ثانويًا. مما يستلزم وقوف الكل عند حدود مسؤولياته وقفة جادة ليقدم الحلول المناسبة بإبداع وطني خالص. هذه الحلول يجب أن تكون نابعة من داخل المجتمع، فهي لا تأتي في معلبات جاهزة. كل مجتمع أدرى بمشكلاته، وهو أقدر على إبداع حلها. فلا يجوز إلقاء على كل مشكلة على شماعة "الاحتلال الإسرائيلي". ففي ذلك تبرئة المسؤولين من دورهم، وإعفائهم من المسائلة، كما أنه يسهم في تضخيم المشكلات واستفحالها في المجتمع.






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

علم الاجتماع العائلي| مدخل نظري

بسام أبو عليان محاضر بقسم علم الاجتماع ـ جامعة الأقصى تعريف علم الاجتماع العائلي: v     وليم كوود: "هو العلم الذي يدرس الجذور الاجتماعية للعائلة، وأثرها في المجتمع والبناء الاجتماعي" [1] . v     رونالد فليجر: "العلم الذي يدرس العلاقة المتفاعلة بين العائلة والمجتمع" [2] . v     تالكوت بارسونز: "العلم الذي يدرس العائلة دراسة اجتماعية، ودراسة أنساقها العمودية والأفقية، ونظم الاتصال الموجودة فيها مع نظامي السلطة والمنزلة" [3] . v   "أحد فروع علم الاجتماع العام، يهتم بدراسة الأسرة وما يتعلق بها من ظواهر؛ بهدف تفسيرها وتحليلها، ودراسة مشكلات الأسرة بهدف حلها أو الحد منها". أهداف علم الاجتماع العائلي [4] : 1.     تقوية علاقة الفرد بالأسرة من جهة، والمجتمع المحلي من جهة أخرى. 2.     دراسة المشكلات الأسرية؛ بهدف حلها أو الحد منها بطرق علمية واقعية. 3.     جعل الأسرة متكيفة مع التغيرات الاجتماعية الحاصلة في المجتمع. 4.     تعميق وعي الأسرة بأدوارها الأساسية و...

انثروبولوجيا| علاقة الأنثروبولوجيا بالعلوم الأخرى

علاقة الأنثروبولوجيا بالعلوم الأخرى على الرغم من الاعتراف بالأنثروبولوجيا كعلم مستقلّ بذاته، يدرس الإنسان من حيث نشأته وتطوّره وثقافته، فما زال علماء الإنسان يختلفون حول تصنيف هذا العلم بين العلوم المختلفة، فيرى بعضهم أنّه من العلوم الاجتماعية، كعلم النفس والاجتماع، ويرى بعضهم أنّه من العلوم التطبيقية كالطب، ويرى بعضهم أنّه من العلوم الإنسانية كالفلسفة. أولاً| علاقة الأنثروبولوجيا بعلم الأحياء (البيولوجيا):   يتناول علم الأحياء دراسة الكائنات الحيّة. فهو يعرّف: "العلم الذي يدرس الإنسان كفرد قائم بذاته، من حيث بنية أعضائه وتطوّرها". يرتبط علم الأحياء بالعلوم الطبيعية، لا سيّما علم وظائف الأعضاء والتشريح. وتدخل في ذلك، نظرية التطوّر التي   تقول بأن أجسام الكائنات الحيّة ووظائف أعضائها، تتغيّر باستمرار ما دامت هذه الكائنات تتكاثر، قد تكون أرقى من الأجيال السابقة، كما عند الإنسان. كما تستند هذه النظرية إلى أنّ الإنسان بدأ كائناً حيّاً بخلية واحدة، تكاثرت   إلى أن انتهى إلى ما هو عليه الآن من التطوّر العقلي والنفسي والاجتماعي. وهذا ما دلّت عليه بقايا عظام الكائن...

تحميل كتاب| علم اجتماع الجريمة

تعتبر الجريمة ظاهرة اجتماعية قديمة قِدَم المجتمعات الإنسانية، ارتبط وجودها بوجود الإنسان على الأرض، فكانت أول جريمة (قتل) ارتكبت في تاريخ الإنسانية حينما أقدم "قابيل" على قتل أخيه "هابيل"، وقد سطّر القرآن الكريم هذه الحادثة. قال تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ* لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ* إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ* فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ* فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي ف...