| أ. بسان أبو عليان |
الغيرة
هي: "انعكاس لحالة من المشاعر والسلوكيات التي تحدث عندما يشعر إنسان بأن علاقته
المتينة بشخص آخر معرضة للتهديد من طرف آخر منافس".
والبعض عرّفها: "هي
حالة انفعالية تجمع بين حب التملك والشعور بالغضب".
الغيرة ملازمة
للإنسان منذ وجد على الأرض، فمما وصلنا عن المجتمعات القديمة أن الرجل الغيور "كان
يفرض على زوجته أن تلبس ملابس قذرة، وألا تغسل وجهها، لئلا تجذب أنظار الغرباء
إليها"[1].
وفي اليابان تفرض بعض التقاليد الاجتماعية على النساء حلق جفونهن أثناء
الزواج؛ لأن الجفون المرسومة جيداً، أو السميكة تقع في طليعة مقاييس جمال المرأة[2].
إلا أن الغيرة ليست كلها مذمومة، فهي تجمع
بين الجانبين الإيجابي والسلبي. فالغيرة الإيجابية (المعتدلة) مطلوبة، وقد أشاد
بها الإسلام، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ مِن الغَيرةِ ما يُحِبُّ اللهُ، ومنها ما
يُبغِضُ اللهُ. فأمَّا الغَيرةُ الَّتي يُحِبُّ اللهُ فالغَيرةُ في اللهِ، وأمَّا
الغَيرةُ الَّتي يُبغِضُ اللهُ فالغَيرةُ في غيرِ اللهِ"[3]. وقوله: "إنَّ من
الغَيرةِ ما يحبُّها اللهُ ومنها ما يُبغضُهُ اللهُ فالَّتي يُبغضُها اللهُ
الغَيرةُ في غيرِ رِيبةٍ"[4]. وقوله: "إن الله
يغار، وإن المؤمن يغار. وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه"[5].
إن خصصنا
الحديث عن المرأة نجد الغيرة طبع أصيل فيها، فلا توجد امرأة لا تغار، فإن كن
اللائي تربين في بيت النبوة لم يسلمن منها، هل ستسلم منها الأخريات؟! وسنستشهد
ببعض المواقف التي رويت عن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، إذ كانت عائشة رضي
الله عنها أشدهن غيرة، كونها البكر الوحيد، والأصغر من بينهن.
الأول: عن
عائشة رضي الله عنها قالت: "ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم
ما غرت على خديجة، وما رأيتها، وكان كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها،
وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق[6] خديجة..."[7].
الثاني:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: "استَأْذَنَتْ هالةُ بنتُ خويلدٍ، أختُ خديجةَ،
على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فعَرِفَ استئذانَ خديجةَ فارتاعَ لذلك، فقال:
اللهم، هالةُ. قالت: فغِرْتُ، فقُلْتُ: ما تَذْكُرُ مِن عجوزٍ مِن عجائزِ قريشٍ،
حمراءَ الشِّدْقَيْنِ[8]، هلَكَتْ في الدهرِ[9]، قد أَبْدَلَكَ اللهُ خيرًا
منها[10]"[11].
الثالث: ذكرت
عائشة رضي الله عنها: "كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، إذا خرج،
أقرعَ بين نسائِه. فطارت القرعةُ على عائشةَ وحفصةَ. فخرجتا معه جميعًا. وكان
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، إذا كان بالليلِ، سار مع عائشةَ، يتحدثُ
معها. فقالت حفصةُ لعائشةَ: ألا تركبين الليلةَ بعيري وأركبَ بعيركِ، فتنظرين
وأنظرُ؟ قالت: بلى. فركبت عائشةُ على بعيرِ حفصةَ. وركبت حفصةُ على بعيرِ عائشةَ.
فجاء رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى جملِ عائشةَ، وعليه حفصةُ، فسلَّم
ثم سار معها. حتى نزلوا. فافتقدَتْه عائشةُ فغارت. فلما نزلوا جعلت تجعلُ رجلها
بين الإذخرِ[12]،
وتقول يا ربِّ سلط عليَّ عقربًا أو حيةً تلدغني. رسولُكَ ولا أستطيعُ أن أقول له شيئًا"[13].
الرابع: عن عائشةَ رضي الله عنها قالت:
"ألا أُحدِّثُكم عني وعن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ! قلنا: بلى. قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ فيها عندي، انقلب فوضع رداءَه، وخلع نعلَيه، فوضعهما عند رجلَيه، وبسط
طرفَ إزارِه على فراشِه، فاضطجع. فلم يلبثْ إلا ريثما ظنَّ أن قد رقدتُ فأخذ
رداءَه رويدًا، وانتعل رُويدًا، وفتح البابَ فخرج. ثم أجافَه رويدًا. فجعلتُ دِرعي
في رأسي، واختمرتُ، وتقنَّعتُ إزاري. ثم انطلقت على إثرِه. حتى جاء البقيعَ فقام.
فأطال القيامَ. ثم رفع يدَيه ثلاثَ مراتٍ. ثم انحرف فانحرفتُ. فأسرع فأسرعتُ.
فهرول فهرولتُ. فأحضَر فأحضرتُ. فسبقتُه فدخلتُ. فليس إلا أن اضطجعتُ فدخل. فقال:
"ما لك؟ يا عائشُ! حَشْيا رابيةٍ!" قالت: قلتُ: لا شيء. قال: "لَتُخبِريني
أو ليُخبرنِّي اللطيفُ الخبيرُ. "قالت: قلتُ : يا رسولَ اللهِ! بأبي أنت وأمي! فأخبرتُه. قال: "فأنتِ السوادُ الذي رأيتُ
أمامي؟" قلتُ: نعم. فلهَدني في صدري لهدةً أوجعَتْني. ثم قال: "أظَنَنْتِ أن يحيفَ اللهُ عليكِ
ورسولُه؟". قالت: مهما يكتمِ الناسُ يعلمْه اللهُ. نعم. قال: "فإنَّ
جبريلَ أتاني حين رأيتِ. فناداني. فأخفاه منك. فأجبتُه. فأخفيتُه منك. ولم يكن
يدخل عليكِ وقد وضعتِ ثيابَك. وظننتُ أن قد رَقدتِ. فكرهتُ أن أُوقظَكِ. وخشيتُ أن
تستَوْحِشي. فقال: إنَّ ربَّك يأمرُك أن تأتيَ أهلَ البقيعِ فتستغفرَ لهم". قالت: قلتُ: كيف أقول لهم؟ يا رسولَ اللهِ! قال: "قولي:
السلامُ على أهلِ الدِّيارِ من المؤمنين والمسلمين ويرحم اللهُ المستقدمين منا
والمُستأخِرين. وإنا، إن شاء اللهُ، بكم لَلاحقونَ"[14].
الخامس: عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: "افتقدتُ
النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلةٍ فظنتْ أنه ذهبَ إلى بعضِ نسائِه. فتحسستُ ثم
رجعتُ فإذا هو راكعٌ أو ساجدٌ يقول: "سبحانَك وبحمدِك لا إله إلا أنت". فقلت:
"بأبي أنت وأمي! إني لفي شأنٍ وإنك لفي آخرَ"[15].
السادس: روى
أنس بن مالك رضي الله عنه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه،
فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم
في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق
الصفحة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: غارت أمكم، ثم حبس
الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت
صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت"[16].
السابع: عن
أنس أيضا: "كان للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تسعُ نسوةٍ. فكان إذا قسم
بينهنَّ لا ينتهي إلى المرأةِ الأولى إلا في تسعٍ. فكنَّ يجتمِعْن كلَّ ليلةٍ في
بيتِ التي يأتيها. فكان في بيتِ عائشةَ. فجاءت زينبُ. فمدَّ يدَه إليها. فقالت:
هذه زينبُ. فكفَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يدَه. فتقاوَلتا حَتَّى اسْتَخَبَتَا..."[17].
الثامن: عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "أتاني
أبو سلمة يوماً من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لقد سمعت من رسول الله
صلى الله عليه وسلم قولاً سررت به. قال: لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع
عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا فعل ذلك به.
قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم أجرني في
مصيبتي واخلف لي خيرا منه، ثم رجعت إلى نفسي. فقلت: من أين لي خيراً من أبي سلمة؟
فلما نقضت عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وأنا أدبغ إهابا لي ـ
فغسلت يدي من القرظ، وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني
إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي ألا يكون بك الرغبة، ولكني
امرأة في غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت
في السن، وأنا ذات عيال، فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله عز وجل عنك.
وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما
عيالك عيالي. قالت: فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فتزوجها رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه، رسول
الله صلى الله عليه وسلم"[18].
وفي زماننا المعاصر ما يرويه "أبو إسحاق
الحويني"[19]:
"أن رجلاً فلسطينياً تزوج امرأة أجنبية نصرانية فدخلت الإسلام. بعد ذلك حينما
علمت أن في ديننا عندما يموت الرجل ويدخل الجنة فإنه يتزوج اثنتين وسبعين من الحور
العين، فدعت على زوجها أن يكون من أهل النار لئلا يتزوج بهن".
الجدير
بالذكر، أن الغيرة ليست صفة خاصة بالنساء، بل موجودة عند الرجال أيضا، فمن المواقف
التي نقلت عن الرجال:
الأول: غيرة
عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش،
فظننت أنه لي فقلت: ومن هو؟ قالوا: عمر بن الخطاب، فأردت أن
أدخله فذكرت غيرتك يا أبا حفص،
فبكى عمر، وقال: أما عليك
في أغار"[20].
الثاني:
غيرة سعد بن عبادة رضي الله عنه: "قال سعدُ بنُ عُبادةَ لو
رأيتَ رجلاً مع امرأتي لضربتُه بالسيفِ غير مُصفِحٍ، فبلغ ذلك رسولُ اللهِ صلى
الله عليه وسلم فقال: تعجبون من غيرةِ سعدٍ، واللهِ لأنا أغيرُ منه، واللهُ أغيرُ
مني، ومن أجلِ غيرةِ اللهِ حرَّمَ الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن..."[21].
الثالث:
غيرة الزبير بن العوام رضي الله عنه: عن زوجته أسماء بنت أبي بكر رضي
الله عنها: "فجئت يوما والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومعه نفر من الأنصار، فدعاني ثم قال: إخ إخ. ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال،
وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد
استحييت فمضى..."[22].
الرابع:
غيرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه: دخل علي يوما على زوجته فاطمة رضي
الله عنها وهي تستاك[23] فنظم أبياتا
شعرية، قال فيها:
|
حظيت يا عود الأراك[24]
بثغرها
|
مـا خفت يا عود الأراك أراكا؟!
|
|
لـو كنت من أهل القتال قتلتك
|
مـا فاز مني يا سواك.. سواكـا
|
كل ما
ذكر من مواقف الغيرة تدخل في باب الغيرة الوسطية والإيجابية، والتي تعبر عن الحب.
لكن الغيرة التي نحذر منها، وتعد من مفسدات الزواج هي (الغيرة المَرَضية)، المبالغ
فيها، وتصل إلى حد تقييد الحركة، وتجعل العيون ترقب الطرف الآخر في كل لحظة وفي كل
حين. مما يجعل الحياة الزوجية تصل إلى طريق مغلق قد تكون نهايته الطلاق. وقد أوصى عبد
الله بن جعفر بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ابنته يوم زواجها قائلا: "إياك
والغيرة فإنها مفتاح الطلاق، وإياك وكثرة العتب فإنه يورث
البغضاء، وعليك بالكحل فإنه أزين الزينة، وأطيب الطيب الماء"[25].
[1] إدوارد
ويستر مارك، موسوعة تاريخ الأزواج، ص263.
[2] المرجع
نفسه، ص265.
[3] صحيح ابن
حبان، 295.
[4] ابن
القيم، الجواب الكافي، 52.
[5] صحيح
مسلم، 2761.
[6] صدائق:
صديقات.
[7] صحيح
البخاري، 3818.
[8] حمراء
الشدقين: أي ساقطة الأسنان ولم يبق إلا اللثة.
[9] هلكت في
الدهر: كبيرة في العمر.
[10] تقصد
نفسها.
[11] صحيح
البخاري، 3821.
[12] نبات له
رائحة طيبة، وفي سيقانه شوك، وتتجمع عنده الهوام والعقارب.
[13] صحيح
مسلم، 2445.
[14] صحيح
مسلم، 974.
[15] صحيح
مسلم، 485.
[16] صحيح
البخاري، 5225.
[17] صحيح
مسلم، 1462.
[18] أحمد
شاكر، عمدة التفسير، 200/1.
[19] حجازي
محمد يوسف شريف، مصري الجنسية، متخصص في علم الحديث.
[20] أبو نعيم،
حلية الأولياء، 365/6.
[21] صحيح
البخاري، 7416.
[22] صحيح
البخاري، 5224.
[23] أي تنظف
أسنانها بالسواك.
[24] الأراك:
السواك.
[25] السيد
سابق، فقه السنة، ج2، ص371.
الغيرة المرضية او الشديدة او ما يسمى بالوسواس شو سببوو
ردحذف